كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٣٩
و مرارة العيش و طيب نسيم الغرور، قد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية، و حال دون ذلك النسيم هبوات (١) و حسرات، و كانت حركات فسكنت، و ذهب كلّ عالم بما فيه فما عيشة إلّا تزيد مرارة، و لا ضيقة إلّا و يزداد ضيقها، فكيف يرقأ دمع (٢) لبيب أو يهدأ طرف متوسّم (٣) على سوء أحكام الدنيا و ما تفجأ به أهلها من تصرّف الحالات و سكون الحركات، و كيف يسكن إليها من يعرفها و هي تفجع الآباء بالأبناء، و تلهى الأبناء عن الآباء، تعدمهم أشجان قلوبهم (٤) و تسلبهم قرّة عيونهم.
و ترمي قساوات القلوب بأسهم * * * و جمر فراق لا يبوخ حريقها (٥)
و ما عسيت أن أصف من محن الدنيا و أبلغ من كشف الغطاء عمّا و كلّ به دور الفلك من علوم الغيوب، و لست أذكر منها إلّا قليلا أفتنه أو مغيب ضريح تجافت عنه، فاعتبر أيّها السامع بهلكات الامم و زوال النعم و فظاعة ما تسمع و ترى من سوء آثارها في الديار الخالية و الرسوم الفانية و الربوع الصموت (٦).
و كم عالم أفنت فلم تبك شجوه * * * و لا بدّ أن تفنى سريعا لحوقها (٧)
فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ (٨) و تأمّل معاقل الملوك و مصانع الجبّارين و كيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء، و جاهرتهم بالمنكرات و سحبت عليهم أذيال البوار، و طحنتهم طحن الرحا للحب، و استودعتهم هوج الرياح (٩) تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الأرض.
فتلك مغانيهم و هذي قبورهم * * * توارثها أعصارها و حريقها
أيّها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من الامم السالفة، توقف و تفهم و انظر أي عزّ ملك أو نعيم أنس أو بشاشة ألف إلّا نغصت أهله قرّة أعينهم و فرّقتهم أيدي
(١) الهبوات جمع الهبوة: الغبار.
(٢) رقأ الدمع: سكن و جف.
(٣) هدأ: سكن.
(٤) الأشجان جمع الشجن: الشعبة من كل شيء.
(٥) باخ النار: خمدت.
(٦) الربوع جمع الربع: الرجل، النعش، المنزل.
(٧) الشجو: الشوط من البكاء أي الغاية يقال: بكى فلان شجوه.
(٨) البذخ: الكبر.
(٩) الهوجاء: الريح التي لا تستوي في هبوبها و تقلع البيوت.