كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٠١٠
مع كثرتها في الخلق و غلبتها في أكثر البلاد اعتقدت فيهم الإمامة التي تشارك النبوّة، و ظهرت عليهم الآيات و المعجزات و العصمة عن الزلازل حتّى أنّ الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوّة و الإلهيّة و كان أحد أسباب اعتقادهم ذلك فيهم حسن آثارهم و علوّ أحوالهم و كمالهم في صفاتهم، و قد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه و نسبتهم إيّاه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة و الأخلاق، فإذا ثبت أنّ أئمّتنا (عليهم السلام) نزّههم اللّه عن ذلك ثبت أنّه سبحانه هو المتولّي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه جميل صنعه ليدلّ على أنّهم حججه على عباده و السفراء بينه و بين خلقه، و الأركان لدينه و الحفظة لشرعه، و هذا واضح لمن تأمّله.
دلالة أخرى: و ممّا يدلّ أيضا على إمامتهم (عليهم السلام) ما حصل من الاتّفاق على برّهم و عدالتهم، و علوّ قدرهم و طهارتهم، و قد ثبتت معرفتهم (عليهم السلام) بكثير ممّن يعتقد إمامتهم و يدين اللّه تعالى بعصمتهم و النص عليهم و يشهد بالمعجز لهم و وضع أيضا اختصاص هؤلاء بهم و ملازمتهم إيّاهم و نقلهم الأحكام و العلوم عنهم و حملهم الزكوات و الأخماس إليهم من أنكر هذا أو دفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم، و قد علم كلّ محصل بطريق الأخبار أنّ هشام بن الحكم و أبا بصير و زرارة بن أعين و حمران و بكر ابني أعين، و محمّد بن النعمان الذي يلقبه العامة شيطان الطاق، و بريد بن معاوية العجلي، و أبان بن تغلب، و محمّد بن مسلم الثقفي و معاوية بن عمّار الدهني و غير هؤلاء ممّن قد بلغوا الجمع الكثير و الجم الغفير من أهل العراق و الحجاز و خراسان و فارس كانوا في وقت جعفر بن محمّد (عليهم السلام) رؤساء الشيعة في الفقه و رواية الحديث و الكلام، و قد صنّفوا الكتب و جمعوا المسائل و الروايات و أضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه و إلى أبيه محمّد الباقر (عليهما السلام)، لكلّ إنسان منهم أتابع و تلامذة في المعنى الذي يتفرّدوا به و أنّهم كانوا يدخلون من العراق إلى الحجاز في كلّ عام إذا كثروا أو قلّوا، ثمّ يرجعون و يحكون عنه الأقوال و يسندون إليه الدلالات و كانت حالهم في وقت الكاظم و الرضا على هذه الصفة و كذلك إلى وقت وفاة أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، و حصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمّتنا (عليهم السلام)، كما يعلم اختصاص أبي يوسف و محمّد بن الحسن بأبي حنيفة، و كما يعلم اختصاص المزني و الربيع بالشافعي، و اختصاص النظّام بأبي الهذيل، و الجاحظ و الأسواري بالنظّام.
و لا فرق بين من دفع الإمامة عمّا ذكرناه و بين من دفع من سمّيناه عمّن وصفناه