كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٩٢ - (الجوهرة العاشرة) في أنه هل يجوز تقليد المجتهد الميّت ٢ و الأخذ بتصانيفه أم لا يجوز؟
..........
و أما تأويله كلام فضلاء حلب (رضوان اللّه عليهم) بقولهم بوجوب الاجتهاد عينا، فحاصله [١] أنّ مرادهم بالاجتهاد معناه اللغوي، و هو بذل الجهد و الوسع في تحصيل معرفة الأحكام، سواء كان بالاجتهاد، أو التقليد.
(و الذي يخطر بالبال) أنّ مرادهم من الاجتهاد معناه الاصطلاحي، اذ هو العرف الشائع بينهم، حتى أنهم اذا أطلقوا لفظ «الفقيه» يراد به عندهم المجتهد، لكن مرادهم- و اللّه أعلم- أنّ الاجتهاد يجب عينا على كل من كان له قابلية الاجتهاد، و متأهّلا له من حيث الذكاء و الاستعداد بالقوة له، و لا يلزم على هذا تعطيل أمور المكلّفين، اذ القابل لهذا واحد من ألف.
و ذلك أنك ترى أهل الذكاء و القبول لهذا المطلب الجليل، قد أقبلوا على البطالة و التعطيل، و مصاحبة أهل الدنيا، و ترى الأغنياء ممن ليس لهم تلك الأهلية، و لا تلك القابلية بالقوة و لا بالفعل، قد أقبلوا على طلب العلم و تحصيله، و لكن إذا انقضت منهم الأعمار كان سعيهم في حفظ بعض مسائل (مختصر النافع أو (الشرائع) أو نحو ذلك.
و ليس هذا إلا من باب ما ذهب إليه جماعة من علمائنا من أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجب على الأعيان، و قالوا انّ معنى وجوبه على الأعيان هو كونه واجبا على من اتصف بشرائطه، و عرف مواقعه و أحكامه، لأنّ من لم يعرف قواعده الشرعية لا يجوز له القيام به فضلا عن وجوبه عليه.
و قال المحققون في أمثالهم: ضاع العلم بين ذكي معطل و بين بليد مشغول بتحصيله.
و قد شاهدنا مثل هذا في أعصارنا هذه كثيرا، و كان أستاذنا المحقق البغدادي قد
[١] أي حاصل هذا التأويل.