كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٠١ - الخطبة
..........
مهذّب الأحكام، (على صيغة اسم الفاعل، و يجوز أن يكون على صيغة اسم المفعول- «المحمّدية») أي ملخّصها عما فيها من الحشو و الزوائد، و لقد كان إطلاق هذا الاسم على كتاب (الإستبصار)، (لأنه الكتاب المهذّب)، و إطلاق اسم
الترقي و التكامل بعالم الهيولى و الصورة الذي يبلغ الانسان فيه من الاستعداد الى مرتبة الفعلية، و أما عالم التجرد، فينقطع فيه الاستعداد و يتعذر التعالي و التكامل لأنه فعلية محضة، و قد أشار سيدنا الجد (عليه الرحمة) الى جوابه في المتن بقوله: «ان طلبنا منه سبحانه الصلاة و السلام على النّبيّ و آله (عليهم السلام) ... الخ».
(أقول) إنّ عدم امكان التعالي و التكامل مطلقا، بالنسبة الى الممكنات في وعاء التجرّد ممنوع، لأنّ ما هو ممنوع منه هو التكامل المادّي فقط، اما المعنوي كالقرب الإلهي فأي ضير فيه؟ و قد دلّت عليه الشواهد الشرعية و الأخبار النبوية، نحو انقطاع عمل بني آدم بموته الا من ثلاثة ...، و ما دلّ على أنه يقال لقارئ القرآن في الجنة:
«اقرأ و ارق» و ما ورد في الدعاء للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) بعد التشهد بقوله: «و تقبّل شفاعته في أمّته و ارفع درجته» و منها ما ورد من حالات نور النبي قبل ظهوره في العالم المادّي من أنه كان يقضي المراحل الطويلة في الأنوار الكمالية و البحار النورانية.
و من جملة ما يؤيّد هذا المطلب الجليل، أنّ الجليل عزّ اسمه حينما رفع عبده و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله) اليه ليلة المعراج حكى هذه الواقعة بهذه الألفاظ الشريفة: «ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ» (النجم ٩) ففيها اشارة لطيفة الى أنّ اللّه تعالى كما أنّ ليس لمقامه حدّا محدودا، و لا بداية و لا نهاية، كذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ليست لدرجاته غاية، و لا لكمالاته نهاية، و الا لتوقف اللّه سبحانه في حكاية معراج رسوله على لفظ (فكان قاب قوسين) فقط، و لم يقل (أو أدنى) فبهذا اللفظ الأخصر، غرق العالم الأكبر،