كشف الأسرار في شرح الاستبصار - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٩ - شموخ مكانته عند العامة
شموخ مكانته عند العامة
نال الشيخ (رحمه اللّه) عند الخاصة مكانا شامخا. بحيث ألقي اليه زمام الانقياد، و بسطت له و سادة الفتيا و الاجتهاد، يدين بآرائه العلماء و الأكابر، و يتمسك بأقواله في كل عصر كابرا عن كابر، و هذا لا غرو فيه لأنه أبو نجدتها، و ابن بجدتها، لكنه حاز مع ذلك مكانا شامخا و منزلا عاليا عند العامة أيضا، فكان يحضر في مجلس درسه منهم فئات، و يختلف في محاضراته زرافات، حتى بلغ صيته الى الخليفة العباسي، القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر باللّه، فأعطاه كرسي الكلام و الافادة، و قد كان لهذا الكرسي آنذاك عظمة و قدر فوق الوصف، اذ لم يسمح به الا لمن برز في العلوم، و تفوق على أقرانه كالشمس بين النجوم، و لم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا، أو يفضل عليه علما، فازدلف اليه من علمائهم ما لا يحصى عددهم للاستفادة و التحقيق، و انحدروا اليه من كل حدب و فج عميق.
و من قوة معارضته و تقدم حجته ما أثبته القاضي في المجالس [١] أنه و شيء بالشيخ (ره) الى خليفة الوقت و هو أحمد العباسي، أنه هو و أصحابه يسبون الصحابة، و كتابه «المصباح» يشهد بذلك، فقد ذكر فيه دعاء ليوم عاشوراء: «اللهم خصّ أنت أول ظالم باللعن مني و ابدأ به أولا، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع اللهم العن يزيد بن معاوية خامسا».
فدعا الخليفة الشيخ، فلما احضر الشيخ و وقف على القصة، قال: «ليس المراد من هذه الفقرات ما ظنه السعاة، بل المراد بالأول قابيل قاتل هابيل، و بالثاني قيدار عاقر ناقة صالح، و بالثالث قاتل يحيى بن زكريا من أجل بغي من بغايا بني اسرائيل، و بالرابع عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب (عليه السلام)»، فلما سمع الخليفة من الشيخ بيانه قبل منه ذلك، و رفع منزلته، و انتقم من الساعي.
[١] ج ١/ ٤٨١.