خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٣٩٩ - خزينة فى جريان الاستصحاب فى اصول الأديان و العقائد
هذا الاستصحاب وجود الحكم و لا يعارضه استصحاب عدم التكليف لان الاستصحاب سبب للحكم ببقاء استمرار الحكم و هو مزيل لعدم التكليف و ليس استصحاب عدم التكليف سببا لوجود الشيء المعين الذى جعله الشارع مزيلا او لجعل الشارع هذا الشيء مزيلا فنقول فى المثال الاول علم بقول الشارع صم شهر رمضان وجوب صومه سواء علم الحمى ام لا و شك فى انه هل جعل الحمى مزيلا له ام لا و الاصل عدم جعله و هو يوجب بقاء اطلاق وجوب الصوم المزيل لعدم التكاليف و فى المثال الثانى علم وجوب الصوم فى اليوم الى الليل و لم يعلم ان باستتار القرص هل دخل الليل ام لا و الاصل عدم دخوله و كذا فى المثال الثالث و يقال فى المثال الرابع انه علم بالتوضّؤ حصول الطهارة و علم انه لا يرتفع الا برافع و لم يعلم ان المذى رافع له و الاصل عدم جعل الشارع إيّاه رافعا و لو فرض عدم العلم بان الطهارة مما لا يرتفع الا برافع فيكون من القسم الثالث و لا يفيد فيه الاستصحاب و يقال فى الخامس انه علم نجاسة الثوب و انها مما لا يزول الا بمزيل و شك فى ان الش هل جعل الغسل مرة مزيلها ام لا و الاصل عدمه و كذا اذا شك فى كون شيء مزيلا للمالكية او الزوجيّة او غيرهما مما يعلم استمراره بعد حدوثه الى تحقق الرافع و قد تلخّص من ذلك ان الاحكام الثابتة انما يحكم ببقائها بالاستصحاب اذا شك فى المزيل لا فى غيره و ان الحجّة من الاستصحاب انما هو فى القسم الاول من قسمى الشك و لكن لا استصحاب حال الشرع بل استصحاب حال العقل و من هذا يظهر الفرق بين ما قلنا و بين قول من خصّ حجية الاستصحاب بما اذا كان الشك فى المزيل فان الظاهر انه يريد استصحاب حال الشرع و لو اراد ما قلنا كما هو المحتمل فنعم الوفاق هذا فى الامور الشرعية و اما الخارجية كاليوم و الليل و الحياة و الرطوبة و الجفاف و امثالها مما لا دخل لجعل الشارع فى وجودها فاستصحاب حال الشرع فيها اى استصحاب وجودها حجة بلا معارض لعدم تحقق استصحاب حال عقل معارض لوجودها فى مقام الشك اصلا فان قلت فعلى هذا يكون الحجة من مطلق الاستصحاب عندك استصحاب حال العقل و من استصحاب حال الشرع استصحاب الامور الخارجية فهلا فصلت او لا كسائر المفصّلين و لم قلت بحجّية الاستصحاب مط ثم نفيت العمل بكثير منها لاجل المعارض قلت هذا بناء على ما تعارف من ان المراد من الحجّة ما يجب العمل به لو لا المعارض لا ما يجب العمل به بالفعل و لهذا تراهم يثبتون حجية الآحاد او الصّحيح منها او لا مط ثم يذكرون ان من شرط العمل به عدم المعارض و لا مشاحة فى الاصطلاح هذا كلامه فى المقام و المقدمة التى اشار اليها بقوله فى المقدّمة الاولى و فيها ذكر الاقسام الثلاثة ما قدّمها فى اوائل الباب و ما لا بد من ذكره فى هذا المقام هو قوله فيها ثم الامور الشرعية مط اى سواء كان حكما شرعيّا او وضعيّا او من القسم الاول من الموضوع و المتعلق على ثلاثة اقسام لانه اما يعلم استمراره ابدا اى يثبت من الشرع كل و لا يعلم له مزيلا و يعلم له مزيل اى يكون مغيا الى غاية اى يعلم ثبوته الى غاية زمانية او خالية او يعلم ثبوته فى الجملة او فى وقت معين بمعنى ان يعلم ان استمراره ليس فى اقل من ذلك و لم يعلم بعده هذا و قد ذكرنا جميع ما ذكره فى هذه المقدّمة فى الخزينة العنوانية فى اوائل الباب فمن اراد الاخذ بمجامع ذلك فليراجع اليها ثم ان مثال الصوم الذى اشار اليه هنا هو ما ذكره مفصّلا مثل هذا المبحث قائلا التحقيق ان تعارض الاستصحابين ان كان فى موضوع و حكم واحد فلا يمكن العمل بشيء منهما و يتساقطان فيرجع الى اصل البراءة و شبهه و ذلك كما اذا قال الشارع فى ليلة الجمعة مثلا صم و قلنا بان الامر للفور و كنا متوقفين فى افادته المرة او التكرار فنقطع بوجوب صوم يوم الجمعة و نشك فى السّبت و فيه تعارض الاستصحابان لانا كنا يوم الخميس متيقنين بعدم وقوع التكليف بصوم يوم الجمعة و لا السّبت و بعد ورود الامر قطعنا بتكليف صوم الجمعة و شككنا فى السّبت و هذا الشك مستمرّ من حين ورود الامر الى يوم السّبت و لا ينقض اليقين بالشك فيستصحب عدم تكليف يوم السّبت بالصوم و كذا نقطع فى يوم الجمعة بالتكليف
بالصوم و يشك فى السّبت فيستصحب التكليف اى وجوب الصوم فيحصل التعارض فان قلت عدم التكليف المعلوم قبل الامر انما يستصحب لو لا الدليل على التكليف و استصحاب الوجوب المتيقن فى الجمعة دليل شرعىّ فيرتفع عدم التكليف و ينقض اليقين باليقين قلنا مثله يجرى فى الطرف الآخر فيقال وجوب صوم الجمعة انما يستصحب لو لا الدليل على عدمه و استصحاب عدمه المتيقن قبل ورود الامر دليل شرعى فيرتفع الوجوب لا يقال ان العلم بالعدم قد انقطع و حصل الفصل فكيف يستصحب لانا نقول انه لم يحصل فصل اصلا بل كنا قاطعين بعدم ايجاب صوم السّبت يوم الخميس و شككنا فيه بعد الامر و لم نقطع بوجوب صومه اصلا فيجب استصحابه هذا و قال فى موضع آخر ما يتماس و يتعلق بما هنا و هو ان العمل باصل البراءة انما يكون اذا لم يعلم الشغل بدليل شرعى و الاستصحاب دليل شرعى و الحاصل ان قوله (ع) لا تنقض اليقين بالشك بيان الحكم الشك بعد اليقين فلا يكون مورده مما لم يعلم حكمه حتى يجرى فيه ادلة الاصل و من هذا يظهر الفرق بين استصحاب حال العقل و بين اصل البراءة فى ان الاول يعارض استصحاب حال الشرع دون الثانى فانّ دليل استصحاب حال العقل هو بعينه دليل استصحاب حال الشرع فلا ترجيح لاحدهما على الآخر هذا اذا عرفت ذلك فاعلم انّ المثالين الذين ذكرهما ليسا مما يجرى فيه استصحاب حال الشرع حتى يتجه ما قرره من تعارض الاستصحابين و الرّجوع الى اصل البراءة