خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٣٧٧ - المقام الاول فى نقل حاصل كلام صاحب القوانين فى هذا المقام
و ليس هذا الاصل الا اصل مستقل و قاعدة مستتمة متلقاة بالقبول عند الكلّ سواء لوحظت بالنسبة الى النبوة او الاحكام فهذه القاعدة نحو من انحاء قاعدة الاشتغال و شعبة من شعبها و على قبولها ديدن العقلاء قديما و حديثا جيلا بعد جيل و حكم القوة العاقلة فلا يتمشّى ما ذكره فى الاستصحاب و ما اشترطه به فيها و التاسع ان غاية ما يوجه به كلامه بالنسبة الى الفرع الذى فرّعه على اصله هو انه كما لا يجرى الاستصحاب فيما علم عدم امكان بقائه كذا فيما لم يعلم امكانه و عدمه كما فيما نحن فيه اذ لا يعلم ان الحكم هو المقيّد او غيره فنقول ان هذا انما يتمشى اذا كان ما يراد استصحابه هنا الماهيّة بشرط و لكنه ما علم وجوده قطعا لا بشرط و هى ممكن البقاء قطعا و العاشر ان ما ذكره من مثال الحيوان او قياسه امر النبوة و غيرها اليه [١] مما لا وجه له اصلا لان الذى لا يمكن فيه هو عدم الحكم الواقعى حسبما لا يترتّب عليه امر شرعىّ حيث انه لا وجه للحكم ببقاء شيء لا يعلم انه باق ام لا و اما اذا ترتب عليه امر شرعىّ فلما ثبت من الشرع وجوب الحكم بالبقاء اى بترتب الآثار المترتبة على بقائه شرعا عليه بلا نم عدم امكان الحكم بالبقاء بهذا المعنى و لذا لو قال الشارع فى مثال الحيوان لا تدخل هذه القرية ما دام فيه ذلك الحيوان لا نجوز الدّخول الا بعد مضىّ مدة عمر الاطول امتدادا و الحادي عشر انه لو كان ما ذكره صحيحا لزم عدم جريان الاستصحاب فى اكثر الموارد التى اجمعوا على جريانه فيها اذ لا يكون فى الاكثر استصحاب الا فيما كان الثابت كليا ذا افراد بعضها غير صالحة للامتداد الى زمان او حال يستصحب اليه فان مراده من كون الكلى ذا افراد متفاوتة لا يمكن ان يكون ذا افراد موجودة فى الخارج و الا لم يكن نبوة عيسى (ع) من هذا القبيل اذ لا يمكن ان يكون الفردان المذكوران منها فى الخارج موجودين بل يجب ان يكون مراده كونه كل فى لحاظ العقل و يكون الافراد افراده المحتملة الوجود و ان لم يكن الموجود الا واحدا منها و لا شك ان الموارد التى يجرى فيها الاستصحاب لا بد من ان يكون الحكم ذا فردين او اكثر عند العقل و لم يعلم انّ ايّهما الموجود و الا لم يحصل الشك و لم يحتج الى الاستصحاب و قد يستنهض هذا بنحو آخر و هو ان فتح هذا الباب يوجب سدّ مسلك الاستصحاب فى اكثر المواضع اذ الشك فى الاكثر انما بسبب ما ذكر من الشّك فى مقدار قابلية الموضوع و استعداده و مقدار امتداده ففى الثوب الرطب مثلا بعد وجدانه ملاقيا للنجس يابسا مع العلم بزمان طرحه عن الموضع الذى وضع فيه ليجف و عدم مكثه الا ساعة واحدة قد رجع الشك الى مقدار الرّطوبة و استعدادها فلو كانت رطوبة شديدة لا يرفعها الشمس فى قرب ساعة فهو نجس لانه لاقى نجسا و ان كانت ضعيفة فهو لم يلاقه الا طاهرا و هكذا غير ذلك من الامثلة التى لا تعدّ و لا تحصى بل عند التدقيق يرجع الجميع الى ذلك و الثانى عشر انه لو ابقى كلام هذا المحقق على ظاهر لتطرق اليه المحاذير و المفاسد و لو وجّه بشيء بحيث يستصحه و يستتمه لزم ان يؤجّه بانّه يريد ان يفرق بين الشك فى المقتضى و الشك فى المانع اذ لا شيء سواه فى المقام حتى يوجه به كلامه و يدخل بذلك فى جملة المستصحات فح يرد عليه ان هذا رجوع عما بنى عليه الامر فى الاوّل من عدم تفرقته بينهما لكنه مما فيه الأمر سهل اذا عرفت هذا فاعلم ان هذه الايرادات هى اكثر ما يرد عليه و عمدة ما يزيّف به كلامه بل كل ما يتصور من المناقشات و الاعتراضات مما يمكن ادخاله تحتها و لو بنوع من العناية ثم ان من تامل حق التامل فيما قدمنا و امعن النظر فيما حرّرنا فى بيان مراد المحقق المزبور يقدر على دفع اكثر هذه الايرادات و لكن مع ذلك لا نقتصر على ما قررنا بل نذكر هنا وجه اندفاع كل واحد واحد منها فنقول انه يرد على الاول ان المحقق المزبور لا يدعى التحديد بزمن معيّن بعلمه الكل بل يريد ان نبوة الانبياء (ع) من اصحاب الشرائع ممن قبل هذا النّبى الذى يريد اهل ملته من اليهودى او النصرانى استصحاب بنوته من الامور المختلفة بحسب الازمنة و المتخالفة بحسب الاستعدادات و الامتدادات مثلا كان امتداد نبوة نبىّ مدة
الفين سنة و نبوة نبيّ آخر الف سنة و نبوة نبيّ آخر ازيد من هذا او انقص و هكذا و هذا مما لا ينكره المستصحب ايضا فاذا كان الحال على هذا المنوال و كان ملاك الامر فى الاستصحاب على الظن فكيف نستصحب نبوّة عيسى (ع) مثلا الى الابد او الى مثل زمن النبوة التى هى اكثر امتداد او اما قضية اختلال الامر على الامم السّابقة لو لا التمسك بالاستصحاب الى آخر كلامه فمن القضايا المتخيّلة فى بادى الانظار اذ انتظام الامر انما بالرّجوع الى الانبياء و الاوصياء الذين كانوا فى دين هذا الرسول صاحب الشريعة و بما اتاهم اللّه تعالى من البيّنات و ما بيّنه الرسول من الامور المفيدة للقطع و اليقين و المزيحة العلل و الشكوك فى الاعتقاديات بحيث انها يقلعها من اصلها حتى لا تحتمل احتمالا لا بالرجوع الى الاستصحاب الذى غاية درجته افادة الظن بل هذا مما ينافى بعض القواعد العدلية من وجوب اللطف على اللّه تعالى و العجب من المورد حيث لا يعتد فى الاحكام الفرعيّة بالاستصحاب الا لاجل الاخبار و يتفوه فى المقام بما ذكر هذا و يرد على الثانى انه من الابحاث الناشئة عن عدم الاهتداء الى ما رامه المحقق المزبور من قوله ان الاطلاق ايضا فى معنى القيد و قد بيّنا مرامه بحيث اذا تامل فيه المتامل علم عدم استطراق هذا الايراد اليه و كيف كن فانه فرق بيّن بين ان الاطلاق فى معنى القيد و الاطلاق قيد و لم يتكلم المحقق المزبور الا بالاول و يرد على الثالث ما اوردنا على الاول اذ التفاوت بينهما انما بتغيير العبارة و الاسلوب و يرد على الرابع ان الفرق بين الإطلاق و الاجمال انما هو بحسب ما ينبعث عنهما من افادة الاستعداد و قابلية الامتداد الى ما يستصحب اليه و عدم ذلك فاذا افاد الاوّل فكيف يكون مرجعه الى الثانى الذى لا يفيده و يرد على الخامس ان هذا
[١] هو الماهيّة عليه