خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٩٠ - الاولى فى مطالبة مفاد قاعدة لا ضرر لحكم العقل
الاطلاع بحقيقة الحال فعليه المراجعة الى الكتب الفقهية الاستدلالية و بالجملة فان عموم نفى الضرر يجرى فى امثال تلك المسائل ايضا فيراعى ما قلنا من الجمع بين الحقين مهما امكن و توهّم خروجها عن الدخول تحته نظرا الى بعض الامور المشار اليه من التخيلات المحضة ثم لا يخفى عليك ان الحكم بالتزام الغرامة و الاجرة فيما ذكر ليس لاجل دلالة اخبار نفى الضّرر على الضمان بل هذا هو المنبعث عن الحكم بمراعاة الجمع بين الحقّين فالحكم بما ذكر فى محلّه حتى على البناء على نفى دلالتها عليه كما عليه الاكثر ثم من التامل فيما قررنا يظهر لك ما فى كلام المحقق الثالث فانه مع قطع النظر عما فيه من عدم تحرير المرام و اتمامه مما هو مشتمل على تشويش و اضطراب و ركاكة فى العبارة و كيف كان فقد علم ان كل ما ذكرنا و حققنا هو المستفاد من اخبار نفى الضرر و الضرار و لا ينافى اذيال الاخبار الحاكية قضية سمرة من امره (ع) بقلع نخلته لما ذكرنا فى هذه المسألة المقدّمة آنفا من مراعاة الجمع بين الحقين لان ذلك كان لاجل عدم اعتقاد سمرة بالشرع الانور و نفاقه و ان شئت ان تقول ان هذا و ان كان من مصاديق الضرر ايضا هذا الا ان عموم لا ضرر و لا ضرار قد خصّص بالنسبة الى ذلك بفعل النبى (ص) و امره بقلع النخلة فلك الخيار ايضا و بالجملة فكم من فرق بين المقامين على ان استدلال مجوزى التكليف بالمحال بانه تعالى كلف الكافر بالايمان مع انه ممتنع فى حقّه اذ لم يرده منه و لانه تعالى يكفره و يمتنع الجهل فى علمه تعالى و بانه تعالى كلف أبا لهب بالايمان بجميع ما جاء به النبى (ص) مع ان من جملة ما جاء به النبى (ص) انه لا يؤمن فيجب الايمان بانه لا يؤمن و هو مح و بان التكليف بالمحال مقدور فى نفسه و لا مانع الا قبحه العقلى و لا ضير فيه من الشواهد على بط ما زعمه هذا القائل و غفلته عن كلمات القوم و كذا ما اجيب به عن هذه الوجوه من ان عدم ارادته تعالى ايمان الكافر ان كان بمعنى عدم رضائه به فممنوع كيف و قد قال تعالى و لا يرضى لعباده الكفر الى غير ذلك مما لا يحصى و ان كان بمعنى عدم مشتبه و تقديره فلا ينافى كونه باختيار الكافر و ارادته و قدرته فلا يكون تكليفا بالمحال و من ان علمه تعالى و ان استحال انفكاك المعلوم عنه لكنه لا ينافى قدرة الكافر و تمكينه فلا يكون تكليفه بخلاف المعلوم تكليفا بالمحال و من ان أبا لهب لم يكلف بالايمان بانه لا يؤمن بل اما ان يكون قد اخفى عنه هذا الاخبار و كلف بالايمان بجميع ما جاء به النبى (ص) اجمالا او كلف بالايمان [١] فى زمن سابق بانه لا يؤمن فى زمن لاحق و من ان هذه الوجوه لو تمت لدلّت على وقوع التكليف بالمحال و هم لا يقولون به على ما حكاه بعضهم هذا و كذا احتجاج المفصل منهم على جوازه فى غير الممتنع الذاتى ببعض ما مر و على امتناعه فى الممتنع الذاتى بانه مما يمتنع تصوّر وقوعه فيمتنع التكليف به فان التكليف بالشيء عبارة عن استدعاء حصوله فيتوقف على تصوره و تصور حصوله تصور للشيء على خلاف ماهيّته و هو مح و كذا رد ما يرد على دليل هذا الشق الثانى من ان المستحيل كالجمع بين الضدين لو لم يمكن [٢] وصفه بالاستحالة لان العلم بصفة الشيء فرع تصوره و من انه لو امتنع تصوره لامتنع الحكم الثبوتى عليه بانه ممتنع او معدوم فان ثبوت شيء لشيء فرع ثبوته و يكفى ذلك فى صحة طلبه بان الجمع المتصور هو الجمع بين المختلفات و هو الذى حكم بنفيه و ان الممتنع هو تصوره مثبتا لا مط و الذى يلزم من ذلك امكان تصوره منفيا لا مط و بان المستحيل ح هو الامر الخارجى دون الذهنى المتصور فلا يكون المستحيل هو المتصور على انه لو كان متصورا لكان ممكنا فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل و ان الحكم على الخارج بالامتناع يستدعى تصوره فى الخارج و هو مح لانه تصور للشيء على خلاف حقيقته و هكذا الجواب عن ذلك بانه ان اريد باستحالة تصور المستحيل الذاتى استحالة حصول صورته فى الخيال فمسلم لكن نمنع توقف الطلب على امكان حصول صورة المطلوب فى الخيال و انما يتوقف على امكان تصوره فى الجملة و ان اريد استحالة حصول صورته فى العقل فممنوع لان دائرة العقل اوسع و بان الامر الذهنى
المتصور عنوانا للامر خارجى المستحيل و مرآة لملاحظته فكيف يكون الملحوظ غير المستحيل و الا لاستحال الحكم عليه بالاستحالة و ان كون الشيء ممكن الوجود فى الذهن لا ينافى كونه ممتنع الوجود فى الخارج فالحكم بالامتناع باعتبار ما جعل مرآة لملاحظته اعنى وجوده فى الخارج و كذلك الحال فى الحكم على الممتنع الذهنى كحكمنا على الوجود الخارجى بانه ممتنع التحقق فى الذهن و ان تصور المستحيل فى الخارج لا يوجب كونه تصورا له على خلاف حقيقته اى مفهومه كيف و التقدير انه تصور لمفهومه و انما يوجب كونه تصوّرا له على خلاف حقيقته بمعنى ما يمكن تحققه به و الفرق ظ هذا و بالجملة فان ما زعمه هذا القائل من كون عدم جواز تكليف المح و غير المقدور من الوفاقيات عند الكل بعد فرض وفاقية الصّغرى بان يكون غير المقدور غير مقدور عند الكل من المجازفات الصّرفة و التخمينيات المحضة و من العجائب و العجائب جمة اختفاء ما قلنا على هذا القائل مع انه كان يعد من جهابذة علماء الاصول فان قلت ان الاشاعرة لا ينكرون حجية ظواهر الكتاب و الآيات النافية تكليف ما لا يطاق و غير المقدور منطوقا و فحوى فى غاية الكثرة فيكون ما صار اليه هذا القائل فى ادعائه الاجماع المزبور مما فى محله قلت انّ مثل هذا الاحتجاج على تعيين مذهب الاشاعرة فى هذه المسألة مما لا يخفى فساده على ذى دربة و مسكة على ان الآيات تنفى الوقوع و اين هى من نفى الجواز و النزاع بين الاشاعرة فى الجواز و عدمه و ان كان بعض الادلة المذكورة للجواز يعطى الوقوع ايضا ثم ان هذا على التنزل و المماشاة مع هذا القائل و الا فنقول ان الآيات تنفى ما عليه الأشاعرة من تكليف الغير المقدور مط ايضا مع ان الاشاعرة يقولون
[١] عدا ذلك و مكلف بالايمان
[٢] تصوره لم يمكن