خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٩٧ - مقدمة فى التلازم بين التحسين و التقبيح من العقل و هما من اللّه تعالى
مشروطا حجّيته لعدم سوء الاستعداد و الاختلاط بادراكات الوهم و هذا الاشتراط انما هو بحسب مرحلة الواقع و نفس الامر اى فى مرحلة كون الاحكام الالهية مجعولة على طبق حكمه التفصيلى او الاجمالى و التنجيزى الفعلى او التعليقى لا بالنسبة الى مرحلة الظاهر و الا كان النزاع قليل الثمرة جدا فالحجة بالنسبة الى كل مكلّف هو عقله اذا قطع بسلامة ادراكه عن الخلط بمدركات الوهم فالتخلية و الفحص عن المعارض بناء على احتمال الاختلاط المذكور لازم و ان كان حكمه على سبيل الجزم و هذا كثيرا ما يكون فى النظريات لا فى بديهيّات العقل فبديهيات العقل كنظرياته التى علم عدم اختلاط ادراك العقل فيها بادراكات الوهم بمصير قاطبة العقلاء او اكثرهم اليها مما لا يكافئ لمعارضتها الادلة النقلية من الكتاب و السّنة و ان بلعت حدّ الاستفاضة او التواتر بل تؤل و ترجع اليها نعم وقوع اللبى القطعى كالاجماع المحقق و التواتر المعنوى فى قبالها يكشف عن كون تلك الاحكام النظرية العقلية فى اصلها من احكام الوهم الناشئة من الاستيناس بالالف و العادة و المصلحة العامة فكثير اما يشتبه الامر على الناس بل على بعض الفضلاء منهم و يظنون ان الاحكام العقلية مما يجوز ان يتخلّف عنه الاحكام الشرعية نظرا الى ما ذكر غفلة عما اشرنا اليه من ان هذا ليس من حكم العقل فى شيء ثم هل يجب لنا متابعة حكم عقول جمع من العقلاء اذا اخبروا به فى قضية من القضايا و لم يحكم فيها حتى بعد التخلية و التصفية ام لا فيه اشكال الا ان يحصل اليقين لنا بصدق حكمهم باحاطة عقلهم بالعلّة التامة الواقعية بناء على عدم تطرق الخطاء فيه بحسب ادراك جهة محسنة فى فعل و الغفلة عن جهة اخرى موجبة للقبح مع رجحان الثانية على الاولى لكن دعوى هذا فى غاية الاشكال و المسألة قليل الجدوى
مقدمة: فى التلازم بين التحسين و التقبيح من العقل و هما من اللّه تعالى
مقدّمة قد علم فى تضاعيف ما سبق انّ تحسين العقل و تقبيحه على طبق تحسينه تعالى و تقبيحه فهما متساوقان متلازمان بمعنى ان الحسن العقلى الادراكى ناش عن الحسن الذاتى اى النفس الامرى المساوق لتحسينه تعالى و جعله الاولى فحكم العقل بحسن شيء على سبيل انه لا يجوز تركه عند العقل متلازم حكمه بانه مطلوب اللّه و مما لا يجوز تركه عند اللّه كما ان حكمه ان فاعله مما يستحق الثواب عند العقل متلازم حكمه بانه مما يستحق فاعله الثواب عند اللّه و هكذا الكلام فى الحسن الندبى و القبائح العقلية من التحريميّة و التنزيهية مقدمة اذا ثبت بالبراهين القاطعة من العقلية و النقلية ان اللّه تبارك و تعالى غنى عالم حكيم لا يفوت عن علمه شيء من الكليات و الجزئيات و الدّهريات و الزمانيات و لا يتطرق اليه سبحانه و تعالى شائبة النقص فى ذاته و صفاته و افعاله و انه يفعل ما يشاء و يختار ما يزيد على ما يقتضيه حكمته التامة و يثبت ايضا بطلان الترجيح بلا مرجّح كبطلان التّرجيح بلا مرجّح ثبت ان احكامه الصّادرة من جنابه تعالى على وفق المصالح فلا يأمر بالقبيح الواقعى و لا ينهى عن عن الحسن الواقعى و لا يعاقب على ترك ما ليس فى تركه قبح و لا على فعل ما لا قبح فى فعله و لا يرجح الفعل على الترك مع تساويهما فى الواقع بل لا بد ان يكون فى الواقع جهة فى الفعل او الترك يكون سببا لترجيحه واحدا على الآخر و ان كان تلك الجهة وصفا اعتبار نسبيا لا صفة حقيقية و ليس مراد فامن جهة الحسن و القبح الا ما يصير سببا الترجيح العقل للفعل على الترك و الترك على الفعل و اذا اتقنت ذلك و امعنت النظر فيه علمت سقوط بحث انه و ان كان ثبوت الحسن العقلى فى بعض الاشياء مما لا مجال لافكاره كما لا مجال لانكار ان امر اللّه تعالى بالقبيح و نهيه عن الحسن غير جائز إلّا انه لا ضير فى امره تعالى ببعض الاشياء و نهيه عن بعضها و ان لم يشتمل الاول على جهة حسن و الثانى على جهة قبح نظرا الى ان يعلم المطيع من العاصى و يستحقّ بالاطاعة و الثواب و بالمخالفة العقاب كسقوط بحث انه يجوز ان لا يكون للفعل جهة استحقاق للمدح او الذم و لكن يكون بحيث تقتضى سبب آخر وجوبه او حرمته اذ قد علم عدم توجّه البحث الاول بل الثانى ايضا ان الواجب مما لا يخلو عن مفسدة فلا ينفكان عن الحسن و القبح بمعنى استحقاق الفاعل المدح و الذم فاذا كان الامر على هذا المنوال فلا ضير فى ان تقول ان علة الحكم هو اللازم او نقول هو الملزوم فلا تصنع الى قول من قال ان الوجوب العقلى ان كان المراد منه ما يحكم العقل بكونه لازما لوجود ملزوم فلا شك فيه و ان كان غير ذلك مثل ان يراد بالوجوب العقلى كون الفعل بحيث يكون له جهة استحقاق المدح او كونه بحيث يكون له جهة يوجب عدم رضاء العقل بالترك فثبوته غير معلوم و هكذا الكلام فى ساير الاحكام الخمسة هذا ثم لا يخفى عليك ان ما قررنا لا ينافى قول القائلين بالتحسين و التقبيح العقليّين فى بعض المواضع ان هذا واجب تعبدى او حرام تعبدى و لا ينبعث من ذلك اعترافهم بجواز الامر بما لا يشتمل على جهة محسنة واقعية و جواز النهى عما لا يشتمل على جهة مقبحة واقعية لان مرادهم من هذا الكلام عدم انكشاف وجه الحكم عند العقل اصلا و كذا ما يقرب من الوجه كما فى بعض الاحكام المعللة فى الاخبار و ليس مرادهم ان ذلك من قبيل الامتحانيات الصّرفة المقصود فعلها و الخالية عن الجهات النفس الامرية و الحاصل ان المستفاد من القاعدة العقلية المتقدّمة هو ذلك وقوع التكليف الابتلائى المحض فى الشريعة لا ينافى ذلك كما ستعرف وجهه على ان المط مما يثبت بالاجماع المركب و بطائفة من الآيات مثل ان اللّه يأمر بالعدل و الاحسان و نحو ذلك و تعليل الائمة (ع) جما غفيرا من الاحكام بتعليلات فى مقامات كثيرة و مواضع وفيرة على حسب مقدار فهم افهام السائلين و السّامعين بحسب مراتب استعدادهم لدفع استبعادهم و رفع استيحاشهم و لا اقول ان هذه العلل المذكورة هى غير العلل الواقعية و الجهات النفس الامرية المترتب عليها التكليف بل اقول ان عدم ردعهم السائل لعلة الحكم فى مقام من المقامات بقولهم (ع) ان اللّه تعالى قد يأمر بما لا حسن فيه و قد ينهى عما لا قبح فيه امتحانا و ابتلاء و تصدعهم
ببيان علة يسكت به الاستيحاش و يرفع به الاستبعاد و ان لم يكن هذه علة واقعية يكشف عما