خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٩٥ - خزينة حجّة النافين للحسن و القبح
هذا الدليل و الدليل الاول قلت الفرق بينهما فى غاية الاتضاح اذ اثبات الحسن المعهود هنا بالالزام لان حاصل الدليل ان العقل فى الفرض المذكور يؤثر الصدق لا الكذب و هذا ليس معناه انه بحكم بحسن الصدق بل هذا لازمه و مما يكشف عنه فان قلت غاية ما ثبت من هذا الدليل كون الحسن و القبح للفعل فى ذاته فى حقنا فلا يلزم ذلك فى حق اللّه تعالى و كلامنا فيه لان البحث عن الحسن و القبح بالاضافة الى احكام اللّه تعالى لعدم جريانه فى حقّه تعالى و لا يمكن القياس لانا نقطع بالفرق اجماعا ثم ان غاية ما دل عليه الدليل هو ان للصدق حسنا قائما بذاته لا انه مقتضى ذاته من حيث هى فلا يرد ان ما يستند الى ذات الشيء لا يتخلّف اصلا فيلزم ثبوته فى حقّه تعالى قلت انا نثبت المط او لا بالاجماع المركب و هو حجة و مخالفة البعض فى حجّية مما لا يعول عليه و ثانيا ان هذا البحث ساقط و ان وجه بما وجه لان الكلام انما فى توجّه المدح و الذم عند العقل الى الفاعل و عدم توجهه و هذا يجرى فى حق اللّه تعالى ايضا ثم اذا صدق ان صدقنا حسن فى نظرنا و يحكم به عقلنا فلا معنى لعدم حكمه تعالى بذلك و الا فهذا يجرى فى جميع الاحكام العقلية مع انه لا معنى لتحقق الحسن الذاتى و القبح كل فى حقنا و بالجملة فكذا يثبت الدليل ان صدقنا منظور و ملحوظ عند عقلنا و محكوم بتحسينه فكذا يثبت ان صدقنا منظور فى نظر اللّه و محكوم بتحسينه تعالى فلا يرد عليه انه لا يلزم من اختيارنا صدقنا على كذبنا الا كون صدقنا حسنا و كذبنا قبيحا و لا يلزم ان يكون صدقه تعالى حسنا و كذبه قبيحا على ان هذا الايراد مما ليس فى محله فنلتزم التعميم فى قضية الصدق و الكذب فالعقل يحكم بايثاره تعالى الصدق على الكذب على سبيل القطع و هذا مما يستقل فيه العقل جدا و من هنا ينقدح على عدم استقامة السّند الذى ذكر لإبداء الفرق بين حقى الشاهد و الغائب تعالى بان اللّه تعالى لا يقبح منه تمكين العبد من المعصية اى اقداره تعالى اياه و تركه فسره و الجائه الى الطاعة مع انه منا قبيح اذ يحرم على السّيد تمكين عبده من المعاصى اجماعا اذ هذا ليس مما يستقل به العقل و ان كان يتوهّم هذا فيه و فى امثاله فلا يحكم به فى ذلك الا العقل المشوب بسوء الاستعداد و الملاحظ فى العادات و المش فى المحاورات على انا ما قلنا ان كلّ فعل حسن منافاته حسن منه تعالى فلا حاجة فى الجواب الى ان قبح التمكين لنا سمعى لا عقلى و ان سر تمكينه تعالى العبيد من المعاصى ترتب مصالح التكليف و فوائده و بالجملة فالامر واضح فقس على ما بيّنا حال امانته تعالى العبيد و ايقاعهم فى البلايا و الامراض و الاوجاع و المصائب و عدم انقاذه تعالى الغريق من الغرق و الحريق من الحرق و غير ذلك و منها انه لو ثبتا شرعا لانتفيا مط بيان ذلك انه لا يكون ح تفاوت فى نفس الامر بين الافعال بالرجحان النفس الامرى و عدمه و انما يكون الرجحان باصطلاح منه تعالى و هذا الاصطلاح ليس الا كلاما نفسيّا هو نفس الامر بالفعل او انشاء الاذن فلا حظّ من هذا للفعل اصلا بل هو قائم بذاته تعالى اللّه عن ذلك و متعلّق بالفعل و هذا التعلق امر اعتبارى فاذا لم يثبت حكم الحسن و القبح العقليين لا يحكم العقل بالرجحان بعد ورود الشرع لان رجحان موافقة امر الشارع ان كان امرا متقررا فى العقل لزم ان يتقرر فى الافعال صفة الحسن و هو غير كونه شرعيّا و لا يقول به الخصم فاذا لم يتقرر فى الفعل حسن يكون اصطلاح اللّه تعالى مواضعته بمثابة مواضعة الطاغوت و الشيطان معاذ اللّه و استجير به فلا يرغب العقل فى الطاعة و لا ينزجر عن المعصية و ان حذروا نذر الى المدى فالايمان بالنبى (ص) المعلوم نبوّته عنده كانكاره و الجحود و الزيادة و الطغيان سواسية فان كان الحكم برجحان الاجتناب من النار و العذاب الدائم فانما يكون لا يحكم العقل الخالص بل من مقتضيات الوهم و قد يقرر هذا الدليل على وجه آخر و هو ان العلم بحسن ما امر به الشارع و اخبر عن حسنه و بقبح ما نهى عنه او اخبر عن قبحه يتوقف على ان الكذب قبيح لا يصدر عنه و ان الامر القبيح و النهى عن الحسن سفه و
عبث لا يليق به و ذلك اما بالعقل و الفرض انه معزول او بالشرع فيدور و يقرب منه فى اثبات المط بلزوم دليل الدور آخر و هو انهما لو لم يكونا عقليّين لم يجب معرفة اللّه تعالى لتوقف معرفة الايجاب على معرفة الموجب المتوقفة على معرفة الايجاب بيان ذلك ان حسن المعرفة انما يكون بامره مثل فاعلم انه لا إله الا هو فيكون معرفة ايجابه موقوفة على معرفته بالضّرورة لمكان الاضافة و كيف كان فالفرق بين الوجهين هو انه ينتفى الترجيح فى نفس الامر على الوجه الاول و على الثانى ينتفى العلم بالرّجحان فى نفس الامر هذا و قد اجاب الاشاعرة عن هذا الدليل بانا لا نجعل الامر و النهى دليلى الحسن و القبح ليرد ما ذكرتم بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الامر و المدح و القبح عبارة عن كون الفعل متعلق النهى و الذم هذا و انت خبير بان هذا لا يقدح فى الدليل اصلا اذ مرجع هذا بعد اخذ قضية ان الكلام اللفظى مستلزم للكلام النفسى و انه لا يجوز مخالفة الاول للثانى الى ان المخالفة فى الاخباريات مستلزمين للكذب كما انها فى الانشائيات مستلزمة للعبث و السّفه فيتطرق النقص فيجب تنزيهه تعالى عنه على ان فى الثانى لا يتصور تخلف الحسن و القبح هذا فاذا تاملت فيه تجده مدخولا من وجوه الاول ان بين هذا الكلام و بين الجواب بونا بعيدا فان الامر و النهى اللفظيّين دليلا الحسن و القبح الذين هما نوعان من الكلام النفسى إلّا انه ثبت عندهم ان المدلول لا يتخلف عن هذا الدليل الثانى انّ ايجاد الكلام اللفظى الذى كان الكلام المضاد لمدلوله متحققا من الممكنات قطعا و من المقدورات جدّا و ليس عدم هذا الا لقبحه و الاوّل ظاهر و كذا الثانى لان الكلام الكاذب مقدور للممكن و من المعلوم انّ مقدور الممكن يجب ان يكون مقدورا له تعالى فاذا امتنع صدوره عنه تعالى باعتبار استلزام صدوره وجود مدلوله لزم امتناع الصدور بحسب عدم المقدورية و قد علم انّه مقدور فليس امتناع الصدور لانتفاء المقدوريّة بل لامتناع ارادته مما يمتنع ارادته بعد مقدوريته فهو ممتنع لقبحه العقلى الثالث ان وجود