خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢٩٥ - المقام الاوّل فى أنه هل يمكن تخصيص قاعدة نفى الحرج ام لا؟
فانه نقص من جانب المكلف و لو اوجب ذلك عدم التكليف لزم ان يكون مقتضى اللطف عدم التكليف لايجابه المخالفة و لا فرق فى ذلك بين القلة و الكثرة مع ان كثرة المخالفة بحيث قد تجاوز عن الحدّ و الاحصاء و لم يوجبها الا اصل التكليف و قد عرفت الكلام المشبع فى ذلك فى مباحث التحسين و التقبيح العقليّين فراجع اليها لئلا يخفى عليك شيء مما يتعلق بالمقام على ان ذلك القول و الاحتجاج له بقاعدة اللطف ينافى القواعد [١] المتقنة من قاعدة التحسين و التقبيح العقليّين و تبعيّة الاحكام للامور الواقعية و العلل النفس الامرية و ثبوت التلازم بين الاحكام العقلية اى الواقعية و الاحكام الشرعية فهذا ايضا من محاذير ذلك القول و من العويصات الواردة عليه لا يقضى عنه الا بالتزام بعض الوجوه و المذاهب الغير المرضية فى تلك المباحث كما لا يخفى على ذى درية و كيف كان فقد انصدع ان قاعدة نفى العسر و الحرج و اصل السّعة من القواعد القابلة لمعارضة الادلة لكونها من الادلة و مما يقبل التخصيص ايضا فلا اشكال فى المقام اصلا بالنظر الى مدارك هذه القاعدة لا من جهة وقوع جملة من التكاليف [٢] مشقة كما تشهد بذلك احتجاجات المعصومين (ع) فى كثير من المقامات على نفى المشاق الجزئية بالآيات النافية العسر و الحرج و كذا الفقهاء من الاصحاب و لا من جهة ما نراه و نشاهده ايضا من عدم سقوط التكليف او انقلابه فى كثير منها باكثر و اشدّ من ذلك لانه قد علم مما قررنا و حققنا ان ما يستنبط منه هذا الاصل من العمومات المخصّصة و قد عرفت ان تخصيصها بما ذكر مما لا ضير فيه اصلا و اما ما يتوهم من ان هذا البناء يستلزم تطرق المخصصات الكثيرة بل تخصيص الاكثر فلا يصار اليه فمما لا يصغى اليه لان ذلك ليس بعزيز النظر على ان دون اثبات ان لازم هذا البناء تخصيص الاكثر خرط القتاد و كيف لا فانّ الامور الصّعبة غير متناهية و التكاليف الواردة فى الشريعة محصورة مع ان اكثرها مما ليس فيه صعوبة و لا مشقة فاندفع الاشكال من هذه الجهة باسره كاندفاعه فى جهتى عدم رضاء اللّه تعالى فى بعض الامور بادنى مشقة و رضاه بما هو اصعب منه كثيرا فى بعضها بانه لم يعلم ان عدم رضاء اللّه تعالى بالاول لكونه صعبا و عسرا بل لعله لامر آخر و لو علم انه لذلك فلا منافاة ايضا لما عرفت مرارا من ابتناء الاحكام على العلل النفس الأمريّة و الوجوه الواقعية المخفية عنا فظهر من ذلك كله ان احتجاج المعصومين (ع) فى نفى الحكم الكائن مصداقا للعسر و الحرج فى جملة من المقامات بالآيات مع وجود أشق و اصعب منه فى الاحكام الواقعة فى الدّين كاشف عن اعطائهم ضابطا و هو ان مثل هذا المقام مثلا مما فيه عسر و حرج فيدخل تحت الآيات فلا يحكم بخلافه الا ان يوجد مخصّص فلا مخصّص لهذا الحكم فى هذا المقام و كذا الحال فى احتجاج الفقهاء من الاصحاب بها فى كثير من المقامات و الحاصل ان بمجرّد صدق العسر و الحرج عادة يترتب الآثار من غير ان يلاحظ مراتبهما من الكثرة و القلة و الوسطى فهى بالنسبة الى ذلك سواء فيجب البحث و الفحص عن المخصصات ثم يعمل على طبق ما يؤدّيه القواعد الاصولية من تقديم الاخصّ من هذا الاصل عليه و اعمال القواعد المرجحة اذا كان المعارض اعمّ منه من وجه او مساويا معه فقد يرجح جانب هذا الاصل بقوته كما قد يرجح جانب التكليف المعارض باجماع و نحوه و لكن اللازم ح الاقتصار على القدر ثبت فيه الاجماع فانه قد يثبت الاجماع التكليف فى شيء مع مرتبة من المشقة و لا يثبت الاجماع فى مرتبة فوقها و من انقدح سر ما يرى من كلمات الفقهاء من انهم قد يستدلّون على انتفاء حكم فيه ادنى مشقة بادلة نفى العسر و الحرج و لا يستدلون فيما هو اشدّ من ذلك بكثير بها ثم اللازم فى تعيين معنى العسر و الحرج عادة ملاحظة الاوقات و الحالات فانه قد يكون حكم فى وقت او حال مما فيه عسر بل بالنسبة الى شخص دون آخر و اللازم فى ذلك ان يعد فى العرف مشقة و عسرا ان كان الفعل صعبا على فاعله عند اكثر الناس و ان لم يكن صعبا على الاكثر من جهة اختلاف حال فاعله مع حال الاكثر فلا يكفى كونه صعبا عليه عنده او عند شخص اذ بمجرّد ذلك لا يتحقق العسر العرفى فاللازم كونه صعبا عليه عند معظم الناس و بالجملة ان ذلك مما يمكن اختلافه بالنسبة
الى الاعصار و الامصار و الاشخاص و الاحوال باعتبار التعارف و التداول و حصول الملامة و عدمه ثم انّ هذا فيما تحقق القطع بالصدق او عدمه و كان الاختلاف من الوجوه المذكورة و اما اذا لم يحصل القطع بالدخول تحت العسر و الحرج فيعمل ح بمقتضى الاصل و هو اصل عدم خروجه عن تحت العام التكليفى الذى يدل على ورود التكليف عليه و عقد الباب و جملة الامر ان ما بنينا الامر عليه مما لا يرد عليه اشكال اصلا و اما ما دفع به مما مر اليه الاشارة فى نقل ما عن بعض المعاصرين من ان العسر و الحرج مما يختلف باختلاف العوارض الخارجيّة فلا يكون ما كلف اللّه تعالى مما فيه عسر و حرج لما فى ازائه من الثواب الجزيل [٣] ما لم يرض اللّه تعالى فيه بادنى مشقة من الامور التى لا يقابلها اجر فمما لا وقع له اصلا و كذا ما عن البعض من ان المراد بنفى العسر و الحرج نفى ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات الثابتة بالنسبة الى طاقة اوساط الناس المبرءين عن المرض و القدر الذى هو معيار التكليف بل هى منفية من الاصل الا فيما ثبت و بقدر ما ثبت لان مفاد هذين الوجهين كون الاصل من قبيل الاصول الاوليّة بقول يكونه من القواعد الغير المخصّصة و الثانى بكونه من القواعد القابلة للتخصيص و بالجملة فان ذلك من التدافع و التناقض فى منار على انهما كسائر ما مر اليه الاشارة من الوجوه المقبولة فى هذا الباب مما يتطرق اليه ايجاب كثيرة و ان قطع النظر عن قضية التدافع ثم اعلم ان القول بان هذا الاصل
[١] المتقدمة
[٢] التى اشير اليها فى هذا الدين و لا من جهة ما نراه و نشاهده من عدم رضا الشارع لنا فى بعض التكاليف ادنى
[٣] فيكون