خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ٢١٣ - فى أدلّة القول بالبراءة
المذكور و مرجعه الى امر عدمى فيندفع ما يتخيل من انه ان اريد بهذا الاصل اثبات تعلق الوجوب النفسى بماهية الاقل دون الاكثر فهو من الاصول المثبتة التى لا تعويل عليها عند المحققين و إلّا فلا جدوى له فى المقام هذا على ان التفرقة بين الاصول المثبتة و غيرها من المجازفات كما تعرف ذلك فى محلّه مع انه يمكن ان يقال ان وجوب الاتيان بالاجزاء و الشرائط المعلومة مما لا خلاف فيه و انما الكلام فى المشكوك فالقائل بوجوب الاحتياط يقول به و غيره ينفيه بالاصل فاتضح المرام فان قلت ان الامر يدور بين الاشتغال بالطبيعة المشتملة على الاقل و المشتملة على الاكثر و ليست المشتملة على الاقلّ مندرجة فى الاكثر اذ الفرض ارتباط البعض بالبعض و قضاء زوال كل جزء بزوال الكل و قضية انّ التكليف بالكلّ قاض بالتكليف بالاجزاء بخلاف العكس مما لا يغنى و لا يثمر لان تعلق التكليف بالاجزاء تعلق تبغى لا اطلاقى و استقلالى حتى يجدى فى صورة الانفصال ايضا فالاتيان بالاقل كعدمه اذ الامر دائر بين طبيعتين وجوديتين متغايرتين لا تندرج إحداهما فى الاخرى و ان اشتمل الاكثر على الاقل فلا يستلزم هذا ذاك و بالجملة فمصبّ اصل البراءة او العدم ما اذا دار الامر بين الشغل و البراءة و بعبارة اخرى ما اذا دار الامر بين وجود الشيء و عدمه لا ما يدور الامر فيه بين الاشتغال باحد الامرين او وجود احد الشيئين كما هو المفروض فى المقام قلت ان الطبيعة المشتملة على الاقل مندرجة تحت الاكثر جدا اذ ليس فى البين طبيعتان متغايرتان بعد تحقق الاركان او ما يحصل به المسمّى و المصداق فى الجملة و لكن ذلك مثل ترك السورة فى حال ضيق الوقت فان الصّلاة المشتملة عليها لا تعد طبيعة متغايرة لطبيعة الصّلاة المتروكة هى فيها و كذا ما يترك فيها بعض الاجزاء او الشرائط الضّرورة و ليست الضرورة مما يؤثر فى ذلك بل الطبيعة الواحدة تتغير بحسب الاصناف و الاشخاص فلا تعدد للماهيّة فى البين فلا ضير فيما ذكرنا فلا يدفعه ح قضية ارتباط البعض بالبعض و لا قضية ان تعلق التكليف بالاجزاء تبعى لا اطلاقى و استقلالى فيتجه ان يقال ان الاصل فى مصبه و مخره من دوران الامر بين وجود الشيء و عدمه على ان الطبيعة من الطبائع الاعتبارية فيكفى فيها ما قلنا و بالجملة فلا ريب فى اجراء الاصل بالنسبة الى مرحلة الظاهر فان قلت ان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب بقاء التكليف [١] ثابت و الامر مردد بين الاقل و الاكثر فلو بنى الامر على الاكثر لقطع باتيانه بخروج العهدة عن التكليف بخلاف الاقل اذ يبقى معه الشك فى بقاء التكليف و ارتفاعه فيستصحب البقاء قلت انا لو سلمنا صحّة التمسك بهذا الاستصحاب و اغمضنا النظر عن عدم استقامته باعتبار ان المستصحب اما ان يكون هو التكليف بالاقل او الاكثر او الامر النفس الامرى فان كان الاول فالتمسك بالاستصحاب غلط و ان كان الثانى فاجراء الاستصحاب ضريح فرع وجود المستصحب و ليس اذ ثبوت التكليف بالاكثر من بدو الامر ايضا مشكوك فيه فان كان الثالث فالمستصحب ايضا غير معلوم لعدم الدليل على التكليف بالامر الواقعى فيكون الشك فيه من بدو الامر لقلنا ان استصحابنا مقدم على الاستصحاب المذكور لترجحه بالشهرة التى كادت ان تكون اجماعا فلا وقع لما يقال ان الاستصحاب المذكور مثبت فيقدم على الباقى على انه لا دليل على تقديم المثبت على النافى اصلا و اما ما يتخيل من ان الاستصحاب المذكور استصحاب فى المتبوع فيقدم على الاستصحاب فى التابع و ان كان فى غاية الكثرة و ذلك لاطباق اهل العرف على استصحاب بقاء زيد فى المدة الفلانية مثلا بعد القطع بموته مع انه معارض باصول كثيرة من عدم الاكل و الشرب و القيام و القعود و غير ذلك مما لا يحصى فمما لا وقع له جدّا اذ لا دليل عليه اصلا مع ان الاجزاء و الشرائط و ان كانت باعتبار من التبعيات إلّا انها من اعتبار آخر من النفسيات و المثال المضروب فى المقام ليس مما يناسبه و يلائمه اذ التقديم و الترجيح فيه باعتبار المزيلية [٢] لا لما ذكر و الا فاستصحابات البناء على الموت ايضا فى غاية الكثرة بل مما لا يحصى كما لا يخفى ثم انّ ما يتوهم من انه لا دليل على هذا الاصل اذ القدر المتيقن المستفاد من الادلة الدالة على حجية الاستصحاب انما هو حجية فى النفسيّات دون التبعيّات اذ المدرك فى حجّيته اما طريقة العقلاء او الاخبار و الاول انما فى النفسيات كما ان انصراف الاخبار و الاول انما فى النفسيات كما ان انصراف الاخبار اليها لانها خارجة
مخرج الاول من المجازفات الصّرفة و التخمينيات المحضة اذ دعوى هذا بعد مشاهدة سيرة العلماء و اعاظم العقلاء على اجزاء الاصل فى مهيات العبادات تعد من الدعاوى الفاسدة فالاخبار مع عمومها و عدم تحقق ما يخرجها عنه خارجة مصبّ طريقتهم و مصب سيرتهم على انه قد مر ان الاجزاء و الشرائط من وجه من النفسيات و ذلك باعتبار كونها متعلقة للاوامر الاستقلالية فان قلت ان المقام ليس من مجارى الاصل للقطع بالحدوث و الشك فى الحادث اذ دوران الامر فى الامور المحتملة بين الوجوب و الاباحة فى غاية القلة فالغلبة فى دورانه بين الوجوب و الندب فلا يجرى الاستصحاب جدا و سر ذلك ان التمسّك به بالنسبة الى الامرين مستلزم لطرح المقطوع به و بالنسبة الى احدهما دون الآخر للترجيح بلا مرجّح قلت ان هذا الكلام فى غاية الوهن اذ المنفى بالاصل هى الآثار المترتبة على الوجوب الغير المتحققة فى الندب و لا ريب ان الشك فيها شك فى الحدوث لا الحادث فبملاحظة هذا يجرى الاستصحاب فى نفى الوجوب و الا لا يجرى و ان كان ما فى قباله هى الاباحة لا الندب لان الاباحة ايضا حكم من الاحكام فتمسّك العلماء قديما و حديثا عصرا بعد عصر و جيلا بعد جيل بالاصل فى ماهيّة العبادات يكشف عن حقية ما قلنا من ان الشك انما فى الحدوث لا الحادث و منها انه
[١] بتقريب ان التكليف
[٢] و المن اليه