خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١١٨ - المقام الثانى فى بيان كون الحق مع العدلية
للاولى وجوها قد اشرنا الى اكثرها فى السّابق و اجبنا عنه من قضية الصّبى المراهق و الاخبار الدالة على عدم تعلق بعض التكاليف بهذه الامة دفعا للمشقة و من قضية اشتراط جملة من الافعال بقصد التقرب و قضية عدم اطراد العلل فى الاحكام المعللة مع عدم عموم الحكم بحسب الموارد ثم ان من جملة ادلتها وقوع التكاليف الابتلائية فى الشّريعة و منها التكليف التى ترد مورد التقية اذا لم يكن فى نفس العمل تقية و التقريب فى الاول بان حسن التكليف لو كان مقصورا على حسن الفعل لما حسن ذلك و لما وقع و التقريب فى الثانى بان هذا ممكن بل واقع عن الائمة (ع) و ان نمنعه فى حقّه تعالى و حق النبى (ص) ايضا و بالجملة فان هذه متّصفة بالحسن و الرجحان لما فيها من صيانة المكلف و المكلف من مكائد الاعداء و شرهم مع ان ما كلّف به قد يتجرّد عن الحسن الابتدائى و طريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالا لا يقدح فى ذلك فان الكلام فى الجهة المتفرع عليها التكليف لا الجهة المتفرّعة عن التكليف و ليس التكليف هناك بالمصلحة كما توهّم مثله فى الاختيار لانها من لوازم التكليف كالاختيار دون العمل و ليس التكليف ح صوريا محضا مجرّدا الفاظه عن ارادة المعنى لبعده عن مظان الاستعمال مع ان التكليف فى الحقيقة على حسب مؤدّى تلك الالفاظ عند جهل السّامع بخلافها فلا باعث على صرفها عن ظاهرها و تجريدها عن معانيها مع صحّة ارادتها نعم يمكن اخراج ذلك عن موضع النزاع بتخصيصه بتكاليفه تعالى او مع تكاليف النبىّ (ص) و لا يتطرق التقية هناك و انت خبير بانه قد اناط الامر على مصالح التكليف دون مصالح الفعل الواقعية و علّله النفس الامرية كما صرّح به مرة بعد مرة فيرد عليه فى دليله الاول طائفة من الابحاث بها تحسم مادة شبهة و مبنى ما اسّس الامر عليه الاول ان الفعل فى التكليف الابتلائى هو التوطين و هو المطلوب و المحبوب للّه تعالى كما هو المتصف بالحسن فى الواقع و المصلحة فى نفس الامر و ليس مطلوب اللّه متعلّق الامر و ان كان هو المتعلق خاصّة بحسب الظاهر فالتوطين كسائر الافعال من غير فرق بينه و بينها فى كونه ذات جهات و علل يتفرع عليها التكليف و الفرق بين التوطين فى التكاليف الحقيقية التى تكون المطلوب و المراد فيها اتيان الافعال و حصولها و بين التوطين فى غيرها واضح بوضوح الفرق بين الابتلاء المنبعث من التكاليف الحقيقية و التكاليف الابتلائية المحضة الثانى ان ما ذكره من تاسيس هذا الاصل و تقنين هذا القانون مما يرجع بعد امعان النظر الى مذهب الاشاعرة فلا يكون فرق بينه و بين ما عليهم الا فيما يرجع الى ما لا يثمر و يشبه النزاع اللّفظى الثالث انه قد علم ان التكليف عبارة عن بعث من يجب طاعته ابتداء فيما فيه مشقة جنسا من حيث هو مشقة فمصالح التكليف من اللطف و التعريض للعقاب و الابتلاء و استجلاب الخير و دفع الضرر من المشتركات بين التكاليف باسرها فلا يكون ما به الاشتراك من قبيل الفصول المميزة و الامور المعينة فاناطة الامر على ذلك تسوق قضية الترجيح بلا مرجّح و لزوم اللغوية و العبث بملاحظة خصوصيات التكاليف كما عرفت و بالجملة انّ دليله هذا من عدم الاستقامة بمنار اذ من اين علم ان الفعل الغير المتصف بالحسن فى الواقع قد صار واجبا حقيقيا عند اللّه تعالى بمعنى كونه محبوبا و مطلوبا له تعالى بل العلم القطعى حاصل بخلاف ذلك فانّ ذبح إبراهيم (ع) ولده إسماعيل لم يزل عن القبح و الحرمة عند اللّه تعالى كما كان فى مرحلة الواقع و نفس الامر مع قطع النّظر عن تكليف اللّه تعالى كل اذ الامر به فى مرحلة الظاهر مع كونه غير مراد فى الواقع و عند اللّه ما صيّره محبوبا اتيانه و مطلوبا فعله تعالى و انما هو كل فى اعتقاد إبراهيم (ع) نظرا الى ظاهر الامر و كل الامر فى نحوه من الابتلائيات فالمط كما عرفت هو التوطين ثم ان سرّ العدول عن مثل وطن نفسك على الذبح الى مثل اذبح واضح اذ لو عبر بالاوّل لسقط الفائدة من الابتلاء و الامتحان و الحاصل انّ ما ذكره خارج عن حريم النزاع مع اشتماله فى تقريبه على المفاسد اذ قد عرفت ان حريم النزاع و محط التشاجر لم يكن الا فى عدم جواز تخلّف الاحكام الشرعية من الواجبات الحقيقية المرادة المحبوبة عن العلل الواقعيّة و المصالح النفس الامرية و جواز ذلك و هكذا الكلام فى ساير الاحكام فكيف يكون مثل ما ذكر نقضا لعدم التخلّف و
دليلا على التخلف اذ ما كان البحث فى وقوع التكاليف و صدور الخطابات كيف ما كان و انما كان الكلام فى التخلف الحقيقى و الانفكاك الواقعى و ليس ما ذكر من ذلك القبيل جدّا و قد عرفت ان ما اطاله الكلام فيه من قضية ابتناء الامر على مصالح الامر و التكليف مما يعجب و يضحك النكال لما عرفت فان تنطع هذا القائل و أجال فكره و شحذ تخيّله و اصلت غرار جودة فهمه و قال انّ تعيين كلّ حكم ليس بالمصالح المشتركة بين الافعال من مصالح التكليف حتى يرد ما ذكرت من انّ ما به الاشتراك لا يكون به الامتياز بل بها مع انضمام جهات كل واحد من الافعال بالنسبة اليه فهذا مما يحصل به التعيين و الامتياز فلا غائلة فيما ذكر و بنى عليه الامر قيل له ان هذا التوجيه يوقعك فى امّ حبوكرى و داهية اخرى اذ ح يكون ملاك الامر على جهات الفعل و مصالحه خاصّة فهى العلة التامة للتعيين و التمييز او الجزء الاخير منها فيدار على قطعية الاحكام و امتياز بعضها عن بعض فلا فائدة فى ملاحظة جهات نفس التكليف فهى كعدمها فى ذلك سواء فلا يجوز تخلف الاحكام الشرعية عن العلل و المصالح النفس الأمريّة ثم لا يخفى عليك انّ دليله هذا ينافى ما ذكره فى آخر كلامه فى هذا المبحث اذ قد صرّح بعد ذكر ادلته بانه قد ثبت مما حققنا انتفاء الملازمة الكلية بحسب الواقع بين حكم العقل و الشرع ثم قد استثنى من ذلك الوجوب و الحرمة يعنى انهما لا يتعاكسان فلا يجعل الشارع ما فيه المصلحة الوجوبية فى الواقع حراما و لا بالعكس فما عدا ذلك من الاحتمالات المتصورة حتى اخلاء الواقعة عن الحكم جائز فاذا احطت خبرا بذلك يظهر لك انه يرد عليه بالنسبة الى دليله الاول بحث آخر و هو بحث التدافع و التناقض بين ما تضمّنه و بين ما ذكره فى آخر كلامه اذ ما ذكره