خزائن الأحكام - آقا بن عابد دربندی - الصفحة ١١٦ - المقام الثانى فى بيان كون الحق مع العدلية
ان هذه الدعوى على سبيل الكلية من كون الواجبات مما لا يميل اليها الطباع دون الافعال المنهية مما لا يصغى اليه و ان اختصاص منهية عبادة من العبادات باجزاء و شرائط معتبرة فيها اذا لم يكن لاجل مراعاة التطابق و تحصيل المصالح النفس الامرية مما يفضى الى جريان قضية اللغوية بلا ريب فى المقام و كذا الكلام فى المعاملات و الاحكام الوضعية و التمسّك بقول الفقهاء و التاييد به كالاستشهاد بالآيتين و ما فى معناهما غريب اذ قد عرفت ان مقصود الفقهاء بيان ما يحتاج الى النية و قصد القربة بتقسيم الواجبات الى التوصلية و التعبّدية فالاول مما لا يحتاج الى النيّة دون الثانى و ان كان ذلك بملاحظة عدم الاطلاع على وجه من وجوه الحكم و علله او الاطلاع على ذلك و انى هذا من التاييد لجواز التخلف و كون العلّة الغائية لخلق المكلفين هو التعبّد لا يستلزم عدم لزوم التطابق بين الاحكام و العلل الواقعية و هذا واضح و ان قطع النّظر عن كون العبادة فى الآية مقصودا منها المعرفة و الا فالامر اوضح و استفادة اشتراط قصد القربة فى العبادات من الآية و اختصاص العبادة للّه تعالى بالاحتراز عن وصمة الرياء و السّمعة و لا تنافى القول بلزوم التطابق هذا و قد يقال فى دفع هذا السؤال و حسم ذاك الاشكال ان الاحكام بملاحظة الافعال تتنوّع على انواع منها ما يقطع فيه بان الداعى على تعيين الخصوصيّة ليس الا تحصيل كلى نفس العبودية و هذا كما فى ايجاب الصّلاة و الصوم و منها ما يقطع فيه بان الداعى على التعيين هو صيانة احترام المعبود و عدم هتكه و عدم الغفلة عنه و بعبارة اخرى مراعاة عدم تطرق خلاف التعبّد كما فى النهى عن مسّ المحدث الكتاب الكريم و لبث الجنب فى المساجد و نحو ذلك و منها ما يقطع فيه بان الداعى عليه غير التعبّد بلا توسيط شيء و ان آل اليه بالتوسيط و هذا كما فى ايجاب رد الوديعة و منها ما يقطع فيه بان الداعى عليه امران من عدم لزوم خلاف التعبّد و اختلال النّظم و هذا كما فى النّهى عن شرب الخمر و منها ما يكون حاله مما شكّ فيه بان لا يعلم ان الداعى عليه هل هو عدم لزوم خلاف التعبد ام غيره و ذلك كما فى النهى عن نكاح المحارم فاذا علم ذلك فمنكر التطابق ان ادّعى فى كون الغرض هو محض التعبّد ادّعائه على وجه الايجاب الكلى فهو محجوج بما علم فى طى هذه الاقسام و ان ادّعى ذلك على سبيل الايجاب الجزئى فنسلّمه اذ هذا مما لا يضرّنا فنقول لو لم يكن الاحكام على طبق المصالح النفس الأمريّة و العلل الواقعية فيما ليس الدّاعى فيه على تعيين الخصوصيّة محض التعبّد و صرف الاطاعة للزم العبث و اللغوية و ذلك و ذلك كاف فى اثبات المرام هذا حاصل كلام هذا المجيب و لبّ مرامه و انت خبير بما فيه من عدم الاستقامة فليت شعرى ما ألجأ هذا المجيب الى هذا النحو من الجواب حيث اذعن بجواز التخلف مع انه ممن يقول بلزوم التطابق على وجه الايجاب الكلّى بل كان يدعى انحصار القول فى هذه المسألة فى القولين من السلب الكلى و هو قول الاشاعرة و الايجاب الكلى و هو قول العدلية فما عدا عما بدا و لعلّه قد اضطر الى القول بذلك بالآيات فخصّصها ببعض الصور التى اشار اليها فقد عرفت عدم دلالة الآيات على ما له مدخلية فى المقام و ليس المصير اليه لاجلها الا توهّم محض و الحاصل ان ذلك التقسيم على هذا النهج و الاذعان بان الداعى على تعيين الخصوصيّة فى بعض الاقسام ليس الا محض التعبد مما لا يصغى اليه أسلاء التحقيق و اخلاء التدقيق ان اريد من ذلك نفى التطابق و الاذعان بجواز التخلف فى بعض المواضع كما هو ظاهر كلام هذا القائل و سياق مرامه بل هو صريح فيه و نص به و ان اريد فرضا فقد وجوه الحسن مثلا و علل الحكم بحسب الظاهر الا محض التعبّد و الاطاعة و الانقياد و ان كان الحكم مما اعتبر فيه كونه على طبق المصالح الواقعية للفعل فى نفس الامر فيرد عليه ان الكلام المسوق للجواب بذلك التفصيل الذى عرفته يمنع عن الحمل على ذلك اذ هذا مما لا يكون ح من الجواب فى شيء فلا بد من ذكر ما اشرنا اليه فى الجواب على ان التقسيم المذكور مما لا يخفى وهنه على الفطن الثالث ان اختلاف الاحكام و تنويعها على الانواع الخمس ان كان مسبّبا عن اختلاف مصالح الافعال فى نفس الامر و تغاير عللها ثبت
المط و الا لزم ما ينفيه العقل القاطع من التحكم و من ترجيح المرجوح على الراجح او التسوية بينهما و بعبارة اخرى ان عدم التطابق اما ان يكون باعتبار سلب الموضوع بمعنى عدم وجود الصفات و المصالح فى نفس الامر و اما باعتبار سلب المحمول بمعنى عدم لزوم التطابق فعلى الاول يلزم الاول و الثانى على الثانى مع ان غير الاشاعرة غير قائل بالاول جدّا و النزاع فى هذا المبحث فى الحقيقة مع غير الاشاعرة من القائلين بجواز التخلّف مع قوله بتحقق المصالح للافعال فى نفس الامر ثمّ بادنى تامل يظهر الفرق بين هذا الدّليل و الدليل السّابق فت الرابع قوله تعالى و يحمل لهم الطيبات و يحرّم عليهم الخبائث و التقريب قد مرّ و حاصله ان المراد من الطيبات و الخبائث هى الافعال كما ان المراد من الحل و التحريم المعنى الاعم الشامل لجميع الاحكام فسياق الآية يدل على انه يعطى كل ذى حق من الافعال حقّه النفس الامرى من الحسن و القبح و التسوية بين الفعل و الترك اى يحكم على منوال المصالح المقررة فى الواقع لكل فعل فلو جاز التخلف و لو بالحكم فيما المصلحة النفس الامرية فيه الاباحة بالندب او الوجوب لم يكن هذا الخطاء لكل ذى حق حقه و هذا توجيه وجيه ظاهر فى هذه الآية و لعل هذا هو مراد بعض المحققين حيث قال فى المقام و الظاهر ان المراد ان كل ما كان طيّبا فى الواقع لا بأمر الشارع يحله لهم و كل ما كان خبيثا فى نفسه لا بنهى الشّارع يحرّمه عليهم و الظاهر من الطيب هو ما لا يكون فيه جهة قبح لا ما كان فيه جهة حسن و ح يندفع احتمال ان ينهى اللّه تعالى عن شيء مع كونه فى نفسه خاليا عن جهة القبح و هو ظاهر لكن بقى احتمال ان يكون شيء ليس فيه جهة حسن مع ان الشارع امر به و لم يبطل ذلك تصريح الآية الشريفة لكنك بعد تأمّلك فى سوق الآية اظنّك حاكما ببطلان هذا