جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ٣٢٩ - المقدّمة السابعة
المكلّف لا بدّ و أن يقوم بالوظيفة لإجابة الأمرين بنحوٍ لو خالف واحداً منهما لعدم سعة الوقت لهما، لَعُدّ معذوراً.
إذا عرفت هذه المقدّمات فعند تزاحم التكليفين: فتارة: يكونان متساويين في الملاك و المصلحة، و اخرى: يكون لأحدهما مزية على الآخر:
ففي صورة تساوي ملاك متعلّق التكليفين و تزاحم المهمّين، أو مصداقين من طبيعة واحدة، تكون الأحكام القانونية باقية على قوّتها الفعلي، و لكن مع ذلك لم ينسدّ باب الأعذار العقلية؛ بداهة أنّه مع كون الحكم فعلياً يرى العقل معذورية المكلّف، كما إذا كان جاهلًا بالجهل القصوري، ففيما نحن فيه حيث يكون المكلّف أمام الأمرين المتزاحمين، و يكون له قدرة على الإتيان بكلّ واحد منهما، فإن صرف قدرته في أحدهما يكون معذوراً في ترك الآخر، و بالعكس، من غير أن يكون ذلك تقييداً و اشتراطاً في التكليف أو المكلَّف به، فيكون مخيّراً في الإتيان بأيّهما شاء، و لو تركهما معاً لا لعذر يستحقّ عقابين.
و إن شئت مزيد توضيح لما ذكرنا فتوضيحه بمثالٍ، و هو: أنّه إذا كان لمولى ولدان يحبّهما حبّاً شديداً في عرض واحد، فأشرفا على الغرق، و لم يكن له إلّا عبد واحد لا يقدر إلّا على إنقاذ أحدهما، فإن صرف تمام قدرته و أنقذ أحدهما يكون العبد مطيعاً بالنسبة إلى إنقاذ أحدهما، و معذوراً في ترك إنقاذ الآخر، فيكون محبوباً عند المولى، بل يكرمه أشدّ الإكرام، و لكنّه مع ذلك يتأسّف على غرق ولده الآخر، بل يبكي عليه.
و أمّا إذا لم يصرف العبد قدرته في إنقاذ واحد منهما، بل تركهما، لا يكون له عذر له أصلًا، بل يعاقب على تركهما، فترك الإنقاذ في إحدى الصورتين يكون عذراً دون الاخرى، مع أنّه للمولى غرض و اشتياق تامّ في إنقاذ الغريقين في الصورتين.