تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٥ - ذكر الخبر عن فتح عموريه
و هم وقوف عليها، لئلا يفتح الباب ليلا، فيخرج من عموريه انسان، فلم يزل الناس يبيتون كذلك نوائب على ظهور الدواب في السلاح و دوابهم بسروجها، حتى انهدم السور ما بين برجين من الموضع الذى وصف للمعتصم انه لم يحكم عمله.
و سمع اهل العسكر الوجبة فتشوفوا، و ظنوا ان العدو قد خرج على بعض الكراديس حتى ارسل المعتصم من طاف على الناس في العسكر يعلمهم ان ذلك صوت السور و قد سقط، فطيبوا نفسا.
و كان المعتصم حين نزل عموريه و نظر الى سعه خندقها و طول سورها، و كان قد استاق في طريقه غنما كثيره، فدبر في ذلك ان يتخذ مجانيق كبارا على قدر ارتفاع السور، يسع كل منجنيق منها اربعه رجال، و عملها اوثق ما يكون و احكمه، و جعلها على كراسي تحتها عجل، و دبر في ذلك ان يدفع الغنم الى اهل العسكر الى كل رجل شاه، فيأكل لحمها، و يحشو جلدها ترابا ثم يؤتى بالجلود مملوءة ترابا، حتى تطرح في الخندق.
ففعل ذلك بالخندق، و عمل دبابات كبارا تسع كل دبابه عشره رجال، و أحكمها على ان يدحرجها على الجلود المملوءة ترابا حتى يمتلئ الخندق، ففعل ذلك، و طرحت الجلود فلم تقع الجلود، مستويه منضده خوفا منهم من حجارة الروم، فوقعت مختلفه، و لم يمكن تسويتها، فامر ان يطرح فوقها التراب حتى استوت، ثم قدمت دبابه فدحرجها، فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود، و بقي القوم فيها، فما تخلصوا منها الا بعد جهد ثم مكثت تلك العجله مقيمه هناك، لم يمكن فيها حيله حتى فتحت عموريه، و بطلت الدبابات و المنجنيقات و السلاليم و غير ذلك، حتى احرقت.
فلما كان من الغد قاتلهم على الثلمه، و كان أول من بدا بالحرب اشناس و اصحابه، و كان الموضع ضيقا، فلم يمكنهم الحرب فيه، فامر المعتصم بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرقه حول السور، فجمع بعضها الى بعض،