تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٩٤ - ذكر خبر ظهور قبيحه أم المعتز
بالحادثة بادرت من غير تلبث و لا تلوم، حتى صارت في ذلك السرب، ثم خرجت من القصر، فلما فرغ الذين شغبوا في امر ابنها مما أرادوا احكامه، فصاروا الى طلبها غير شاكين في القدره عليها، وجدوا القصر منها خاليا، و امرها عنهم مستترا، لا يقفون منه على شيء، و لا ما يؤديهم الى معرفته، حتى وقفوا على السرب، فعلموا حينئذ انهم منه أوتوا فسلكوه، و انتهوا الى موضع لا يوقف منه على خبر و لا اثر، فأيقنوا بالفوت، ثم رجموا الظنون، فلم يجدوا لها معقلا أعز و لا امنع ان هي لجات اليه من حبيب حره موسى بن بغا التي تزوجها من جواري المتوكل، فأحالوا على تلك الناحية، و كرهوا التعرض لشيء من أسبابها، و وضعوا العيون و الارصاد عليها، و أظهروا التوعد لمن وقفوا على معرفته بأمرها، ثم لم يظهرهم عليها، فلم يزل الأمر منطويا عنهم، حتى ظهرت في شهر رمضان، و صارت الى صالح بن وصيف، و وسطت بينها و بين صالح العطارة، و كانت تثق بها، و كانت لها اموال ببغداد، فكتبت في حملها، فاستخرج و حمل منها الى سامرا فذكر انه وافى سامرا يوم الثلاثاء لإحدى عشره ليله خلت من شهر رمضان من هذه السنه قدر خمسمائة الف دينار، و وقعوا لها على خزائن ببغداد فوجه في حملها، فاستخرج و حمل منها، فحمل الى السلطان من ذلك متاع كثير، و احيل من ببغداد من الجند و الشاكريه المرتزقه بمال عظيم عليه و لم تزل تباع تلك الخزائن متصلا ببغداد و سامرا عده شهور، حتى نفدت.
و لم تزل قبيحه مقيمه الى ان شخص الناس الى مكة في هذه السنه، فسيرت إليها مع رجاء الربابى و وحش مولى المهتدى، فذكر عمن سمعها في طريقها و هي تدعو الله على صالح بن وصيف بصوت عال و تقول: اللهم اخز صالح ابن وصيف، كما هتك سترى، و قتل ولدى، و بدد شملي، و أخذ مالي، و غربنى عن بلدي، و ركب الفاحشة منى! فانصرف الناس عن الموسم و احتبست بمكة.
و ذكر ان الاتراك لما تحركوا، و ثاروا بالمعتز أرسلوا اليه يطلبون منه خمسين