تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٦٣
اصحابه و قواده، و وصلوا فضمهم الموفق الى قائد من قواد غلمانه، و امر الموفق ان يكتب الى امصار الاسلام بالنداء في اهل البصره و الأبله و كور دجلة و اهل الاهواز و كورها و اهل واسط و ما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق، و ان يؤمروا بالرجوع الى أوطانهم ففعل ذلك، فسارع الناس الى ما أمروا به، و قدموا المدينة الموفقيه من جميع النواحي.
و اقام الموفق بعد ذلك بالموفقيه ليزداد الناس بمقامه أمنا و إيناسا، و ولى البصره و الأبله و كور دجلة رجلا من قواد مواليه قد كان حمد مذهبه، و وقف على حسن سيرته، يقال له العباس بن تركس، فأمره بالانتقال الى البصره و المقام بها.
و ولى قضاء البصره و الأبله و كور دجلة و واسط محمد بن حماد و قدم ابنه أبا العباس الى مدينه السلام، و معه راس الخبيث صاحب الزنج ليراه الناس، فاستبشروا، فنفذ ابو العباس في جيشه حتى وافى مدينه السلام يوم السبت لاثنتى عشره بقيت من جمادى الاولى من هذه السنه، فدخلها في احسن زي، و امر برأس الخبيث فسير به بين يديه على قناه، و اجتمع الناس لذلك.
و كان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لاربع بقين من شهر رمضان سنه خمس و خمسين و مائتين، و قتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنه سبعين و مائتين، فكانت ايامه من لدن خرج الى اليوم الذى قتل فيه اربع عشره سنه و اربعه اشهر و سته ايام، و كان دخوله الاهواز لثلاث عشره ليله بقيت من شهر رمضان سنه ست و خمسين و مائتين، و كان دخوله البصره و قتله أهلها و إحراقه لثلاث عشره ليله بقيت من شوال سنه سبع و خمسين و مائتين، فقال- فيما كان من امر الموفق، و امر المخذول- الشعراء اشعارا كثيره، فمما قيل في ذلك قول يحيى بن محمد الأسلمي:
اقول و قد جاء البشير بوقعه* * * اعزت من الاسلام ما كان واهيا
جزى الله خير الناس للناس بعد ما* * * ابيح حماهم خير ما كان جازيا