تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٤٤ - ذكر طلب رؤساء صاحب الزنج الامان
فوافى به جمعا كثيفا من الزنج في عده من قوادهم و حماتهم، قد كان الخبيث رتبهم في الدفع عن الدار المعروفه بابى عيسى، و هي منزل الخبيث حينئذ، فاوقع بهم و هم غارون، فقتل منهم مقتله عظيمه، و اسر جمعا من قواد الزنج، و أخذ لهم سلاحا كثيرا، و انصرف و من كان معه سالمين، فاتى بهم الموفق، فاحسن جائزتهم، و خلع عليهم، و سور جماعه منهم.
و لما اوقع اصحاب شبل باصحاب الخائن هذه الوقعه ذعرهم ذلك ذعرا شديدا، و اخافهم و منعهم النوم، فكانوا يتحارسون في كل ليله، و لا تزال النفرة تقع في عسكرهم لما استشعروا من الخوف، و وصل الى قلوبهم من الوحشة، حتى لقد كان ضجيجهم و تحارسهم يسمع بالموفقيه.
ثم اقام الموفق بعد ذلك ينفذ السرايا الى الخبثه ليلا و نهارا من جانبي نهر ابى الخصيب، و يكدهم بالحرب، و يسهر ليلهم، و يحول بينهم و بين طلب أقواتهم، و اصحابه في ذلك يتعرفون المسالك، و يتدربون بالوغول في مدينه الخبيث و تقحمها، و يصرون من ذلك على ما كانت الهيبه تحول بينهم و بينه، حتى إذا ظن الموفق ان قد بلغ اصحابه ما كانوا يحتاجون اليه، صح عزمه على العبور الى محاربه الفاسق في الجانب الشرقى من نهر ابى الخصيب، فجلس مجلسا عاما، و امر باحضار قواد المستأمنة و وجوه فرسانهم و رجالتهم من الزنج و البيضان، فادخلوا اليه، و وقفوا بحيث يسمعون كلامه ثم خاطبهم فعرفهم ما كانوا عليه من الضلالة و الجهل و انتهاك المحارم، و ما كان الفاسق دين لهم من معاصى الله، و ان ذلك قد كان أباح له دماءهم، و انه قد غفر الزلة، و عفا عن الهفوة، و بذل الامان، و عاد على من لجأ اليه بفضله، فاجزل الصلات، و اسنى الأرزاق، و الحقهم بالأولياء و اهل الطاعة، و ان ما كان منه من ذلك يوجب عليهم حقه و طاعته، و انهم لن يأتوا شيئا يتعرضون به لطاعة ربهم و الاستدعاء لرضا سلطانهم، اولى بهم من الجد و الاجتهاد في مجاهده عدو الله الخائن و اصحابه، و انهم من الخبره بمسالك