تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٣٢ - ذكر الخبر عن حاله و حال اصحابه و ما آل اليه امرهم عند انتقاله من الجانب الغربي
لدار الهمدانى، و معهم الفعله، و قد كان هذا الموضع محصنا بجمع كثير من اصحاب الخبيث من الزنج و غيرهم، و عليه عرادات و مجانيق منصوبه و قسى ناوكيه، فاشتبكت الحرب و كثر القتلى و الجراح الى ان كشف اصحاب الموفق الخبثاء، و وضعوا فيهم السلاح، فقتل منهم مقتله عظيمه، و فعل اصحاب ابى العباس مثل ذلك بمن مر بهم من الفسقه.
و التقى اصحاب الموفق و اصحاب ابى العباس، فكانوا يدا واحده على الخبثاء، فولوا منهزمين، و انتهوا الى دار الهمدانى، و قد حصنها و نصب عليها العرادات، و حفها باعلام بيض من اعلام الفاجر، مكتوب عليها اسمه، فتعذر على اصحاب الموفق تسور هذه الدار لعلو سورها و حصانتها، فوضعوا عليها السلاليم الطوال، فلم تبلغ آخره، فرمى بعض غلمان الموفق بكلاليب كانوا أعدوها، و جعلوا فيها الحبال لمثل هذا الموضع، فاثبتوها في اعلام الفاسق و جذبوها، فانقلبت الاعلام منكوسه من اعلى السور، حتى صارت في أيدي اصحاب الموفق، فلم يشك المحامون عن هذه الدار ان اصحاب ابى احمد قد علوها، فوجلوا فانهزموا، و اسلموها و ما حولها، و صعد النفاطون فاحرقوا ما كان عليها من المجانيق و العرادات، و ما كان فيها للهمدانى من متاع و اثاث، و احرقوا ما كان حولها من دور الفجره، و استنقذوا في هذا اليوم من نساء المسلمين الماسورات عددا كثيرا، فامر الموفق بحملهن في الشذا و السميريات و المعابر الى الموفقيه و الاحسان اليهن.
و لم تزل الحرب في هذا اليوم قائمه من أول النهار الى بعد صلاه العصر، و استامن يومئذ جماعه من اصحاب الفاسق و جماعه من خاصه غلمانه الذين كانوا في داره يلون خدمته و الوقوف على راسه، فامنهم الموفق و امر بالإحسان اليهم، و ان يخلع عليهم، و يوصلوا و تجرى لهم الأرزاق، و انصرف الموفق، و امر ان تنكس اعلام الفاسق في صدور الشذوات ليراها اصحابه، و دلت جماعه من المستأمنة الموفق على سوق عظيمه كانت للخبيث في ظهر دار