تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦٢٥ - ذكر الخبر عن احراق قصر صاحب الزنج
من منازل قواد الخائن، و شغلهم بذلك عن انجاده و معاونته، و امر المرتبين في الشذا المظلله بالقصد، لما كان مطلا على دجلة من رواشين الخبيث و ابنيته، ففعلوا ذلك، و الصقوا شذواتهم بسور القصر، و حاربوا الفجره أشد حرب، و نضحوهم بالنيران، و صبر الفسقه و قاتلوا، فرزق الله النصر عليهم، فتزحزحوا عن تلك الرواشين و الابنيه التي كانوا يحامون عليها، و أحرقها غلمان الموفق، و سلم من كان في الشذا مما كان الخبثاء يكيدونهم به من النشاب و الحجاره وصب الرصاص المذاب و غير ذلك بالظلال التي كان اتخذها على الشذا، فكان ذلك سببا لتمكنها من دار الخبيث.
و امر الموفق من كان في الشذا بالرجوع فرجعوا، فاخرج من كان فيها من الغلمان، و رتب فيها آخرين، و انتظر اقبال المد و علوه، فلما تهيأ ذلك عادت الشذوات المظلله الى قصر الخبيث، فامر الموفق من كان فيها باحراق بيوت كانت تشرع على دجلة من قصر الفاسق، ففعلوا ذلك، فاضطرمت النار في هذه البيوت، و اتصلت بما يليها من الستارات التي كان الخبيث ظلل بها داره، و ستور كانت على ابوابه، فقويت النار عند ذلك على الإحراق، و اعجلت الخبيث و من كان معه عن التوقف على شيء مما كان في منزله من أمواله و ذخائره و اثاثه و سائر امتعته، فخرج هاربا، و ترك ذلك كله.
و علا غلمان الموفق قصر الخبيث مع اصحابهم، فانتهبوا ما لم تات النار عليه من الأمتعة الفاخره و الذهب و الفضه و الجوهر و الحلى و غير ذلك، و استنقذوا جماعه من النساء اللواتي كان الخبيث استرقهن، و دخل غلمان الموفق سائر دور الخبيث و دور ابنه انكلاى، فاضرموها نارا، و عظم سرور الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم فأقام جماعه يحاربون الفسقه في مدينتهم و على باب قصر الخبيث، مما يلى الميدان، فاثخنوا فيهم القتل و الجراح و الاسر، و فعل ابو العباس في دار المعروف بالكرنبائى و ما يتصل بها من الإحراق و الهدم و النهب مثل ذلك.
و قطع ابو العباس يومئذ سلسله حديد عظيمه وثيقة كان الخبيث قطع بها نهر ابى الخصيب ليمنع الشذا من دخوله، و حازها، فحملت في بعض شذواته