تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٧ - ذكر الخبر عن وقعه الافشين مع بابك في هذه السنه
و اشار غيره على بغا فقال: ان العسكر قد تقطع، و ليس يدرك اوله آخره، و الناس قد رموا بسلاحهم، و قد بقي المال و السلاح على البغال، و ليس معه احد، و لا نامن ان يخرج عليه من يأخذ المال و الأسير- و كان ابن جويدان معهم أسيرا أرادوا ان يفادوا به كاتبا لعبد الرحمن بن حبيب، اسره بابك- فعزم بغا على ان يعسكر بالناس حين ذكر له المال و السلاح و الأسير، فوجه الى داود سياه: حيثما رايت جبلا حصينا، فعسكر عليه.
فعدل داود الى جبل مؤرب، لم يكن للناس موضع يقعدون فيه من شده هبوطه، فعسكر عليه، فضرب مضربا لبغا على طرف الجبل في موضع شبيه بالحائط، ليس فيه مسلك، و جاء بغا فنزل، و انزل الناس و قد تعبوا و كلوا، و فنيت ازوادهم، فباتوا على تعبئه و تحارس من ناحيه المصعد، فجاءهم العدو من الناحية الاخرى، فتعلقوا بالجبل حتى صاروا الى مضرب بغا، فكبسوا المضرب، و بيتوا العسكر، و خرج بغا راجلا حتى نجا، و جرح الفضل بن كاوس، و قتل جناح السكرى، و قتل ابن جوشن، و قتل احد الأخوين قرابه الفضل ابن سهل، و خرج بغا من العسكر راجلا، فوجد دابه فركبها، و مر بابن البعيث فاصعده على هشتاد سر، حتى انحدر به على عسكر محمد بن حميد، فوافاه في جوف الليل، و أخذ الخرمية المال و السلاح و الأسير ابن جويدان، و لم يتبعوا الناس، و مر الناس منهزمين منقطعين حتى وافوا بغا، و هو في خندق محمد بن حميد، فأقام بغا في خندق محمد بن حميد خمسه عشر يوما، فأتاه كتاب الافشين يأمره بالرجوع الى المراغه، و ان يرد اليه المدد الذى كان امده به، فمضى بغا الى المراغه، و انصرف الفضل بن كاوس و جميع من كان جاء معه من معسكر الافشين الى الافشين، و فرق الافشين الناس في مشاتيهم تلك السنه، حتى جاء الربيع من السنه المقبلة.