تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٣٦ - خلافه المنتصر محمد بن جعفر
و الناس يموجون و يذهبون و يجيئون، و إذا على الباب جمع كبير في سلاح و عده، فلما أحسوا بي لحقني فارس منهم، فسألني و هو لا يعرفني: من أنت؟
فعميت عليه خبري، و اخبرته انى من بعض اصحاب الفتح، و مضيت حتى صرت الى باب المعتز، فلم أجد به أحدا من الحرس و البوابين و المكبرين و لا خلقا من خلق الله حتى صرت الى الباب الكبير، فدققته دقا عنيفا مفرطا، فاجبت بعد مده طويله، فقيل لي: من هذا؟ فقلت: سعيد الصغير، رسول امير المؤمنين المنتصر، فمضى الرسول، و أبطأ على، و احسست بالمنكر و ضاقت على الارض ثم فتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج، و قال لي: ادخل و اغلق الباب دوني، فقلت: ذهبت و الله نفسي، ثم سألني عن الخبر، فاخبرته ان امير المؤمنين شرق بكاس شربها و مات من ساعته، و ان الناس قد اجتمعوا و بايعوا المنتصر، و انه أرسلني الى الأمير ابى عبد الله المعتز بالله ليحضر البيعه فدخل ثم خرج الى، فقال: ادخل، فدخلت على المعتز، فقال لي: ويلك يا سعيد! ما الخبر؟ فاخبرته بمثل ما اخبرت به بيدون، و عزيته و بكيت، و قلت: تحضر يا سيدي، و تكون في اوائل من بايع، فتستدعى بذلك قلب أخيك، فقال لي: ويلك حتى نصبح! فما زلت افتله في الحبل و الغارب، و يعينني عليه بيدون الخادم، حتى تهيأ للصلاة، و دعا بثيابه فلبسها، و اخرج له دابه، و ركب و ركبت معه، و أخذت طريقا غير طريق الجادة، و جعلت احدثه و اسهل الأمر عليه، و اذكره أشياء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا الى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألني عنه، فقلت:
هو يأخذ البيعه على الناس، و الفتح قد بايع، فيئس حينئذ، و إذا بفارس قد لحق بنا، و صار الى بيدون الخادم، فساره بشيء لا اعلمه، فصاح به بيدون، فمضى ثم رجع ثلاثا، كل ذلك يرده بيدون و يصيح به: دعنا، حتى وافينا باب الحير فاستفتحه فقيل لي: من أنت؟ قلت: سعيد الصغير و الأمير المعتز، ففتح لي الباب، و صرنا الى المنتصر، فلما رآه قربه و عانقه و عزاه، و أخذ البيعه عليه، ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير، ففعل به مثل