تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٢٧ - ذكر الخبر عن السبب الذى بعث الواثق على فعله ما ذكرت بالكتاب في هذه السنه
إذا اصبح، فيأمره ان يعطيه ثلاثين الف درهم ففعل، فقال يحيى لأبي العود: افعل، و ليس بحضرتنا اليوم مال، غدا يجيء المال، و نعطيك ان شاء الله ثم دافعه حتى طالت به الأيام، قال: فاقبل ابو العود يحتال ان يجد من الرشيد وقتا يحرضه فيه على البرامكه- و قد كان شاع في الناس ما كان يهم به الرشيد في امرهم- فدخل عليه ليله، فتحدثوا، فلم يزل ابو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن ابى ربيعه:
وعدت هند و ما كانت تعد* * * ليت هندا انجزتنا ما تعد
و استبدت مره واحده* * * انما العاجز من لا يستبد
فقال الرشيد: اجل و الله، انما العاجز من لا يستبد، حتى انقضى المجلس و كان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادما يأتيه باخباره، و اصبح يحيى غاديا على الرشيد، فلما رآه قال: قد اردت البارحه ان ارسل إليك بشعر أنشدنيه بعض من كان عندي، ثم كرهت ان أزعجك، فانشده البيتين، فقال:
ما أحسنهما يا امير المؤمنين! و فطن لما اراد، فلما انصرف ارسل الى ذلك الخادم، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر، فقال: ابو العود انشده، فدعا الوزير يحيى بابى العود، فقال له: انا كنا قد لويناك بمالك، و قد جاءنا مال، ثم قال لبعض خدمه: اذهب فأعطه ثلاثين الف درهم من بيت مال امير المؤمنين، و أعطه من عندي عشرين الف درهم لمطلنا اياه، و اذهب الى الفضل و جعفر فقل لهما هذا رجل مستحق ان يبر، و قد كان امير المؤمنين امر له بمال فاطلت مطله، ثم حضر المال، فأمرت ان يعطى و وصلته من عندي صله، و قد احببت ان تصلاه، فسألا: بكم وصله قال: بعشرين الف درهم، فوصله كل واحد منهما بعشرين الف درهم، فانصرف بذلك المال كله الى منزله و جد الرشيد في امرهم حتى وثب عليهم، و أزال نعمتهم، و قتل جعفرا و صنع ما صنع