تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٢١ - ذكر الخبر عن بعض اخلاق المعتصم و سيره
قال: فانتهينا الى واد و لم نعرف غوره، و قد خلفنا العسكر وراءنا، فقال لي: مكانك حتى اتقدم فاعرف غور الماء و اطلب قلته، و اتبع أنت موضع سيرى، قال: فتقدم فدخل الوادى.
و جعل يطلب قله الماء، فمره ينحرف عن يمينه، و مره ينحرف عن شماله، و تاره يمشى لسننه، و انا خلفه متبع لأثره حتى قطعنا الوادى قال: و استخرجت منه لأهل الشاش الفى الف درهم لكرى نهر لهم اندفن في صدر الاسلام، فأضر ذلك بهم، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما لي و لك، تأخذ مالي لأهل الشاش و فرغانه! قلت: هم رعيتك يا امير المؤمنين، و الأقصى و الأدنى في حسن نظر الامام سواء.
و قال غيره: انه إذا غضب لا يبالى من قتل و لا ما فعل.
و ذكر عن الفضل بن مروان انه قال: لم يكن للمعتصم لذة في تزيين البناء، و كانت غايته فيه الأحكام قال: و لم يكن بالنفقة على شيء اسمح منه بالنفقة في الحرب.
و ذكر محمد بن راشد، قال: قال لي ابو الحسين إسحاق بن ابراهيم:
دعانى امير المؤمنين المعتصم يوما، فدخلت عليه و عليه صدره وشى و منطقه ذهب و خف احمر، فقال لي: يا إسحاق، احببت ان اضرب معك بالصوالجه، فبحياتى عليك الا لبست مثل لباسى، فاستعفيته من ذلك فأبى، فلبست مثل لباسه، ثم قدم اليه فرس محلاه بحليه الذهب، و دخلنا الميدان، فلما ضرب ساعه، قال لي: أراك كسلان، و احسبك تكره هذا الزي، فقلت:
هو ذاك يا امير المؤمنين، فنزل و أخذ بيدي، و مضى يمشى و انا معه الى ان صار الى حجره الحمام، فقال: خذ ثيابي يا إسحاق، فأخذت ثيابه حتى تجرد، ثم أمرني بنزع ثيابي ففعلت، ثم دخلنا انا و هو الحمام، و ليس معنا غلام، فقمت عليه و دلكته، و تولى امير المؤمنين المعتصم منى مثل ذلك، و انا في كل ذلك استعفيه، فيأبى على، ثم خرج من الحمام فاعطيته ثيابه، و لبست ثيابي، ثم أخذ بيدي و مضى يمشى، و انا معه حتى صار الى مجلسه فقال: