العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٤٣ - ٩٨٣- الحسن بن جعفر بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد اللّه بن موسى بن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى المكى، أبو الفتوح
جمالها على مصر و ساكنيها، فدخل ذلك عقل الحاكم، فنفذ إلى أبى الفتوح يأمره بذلك. فسار أبو الفتوح حتى قدم المدينة، و حضر إليه جماعة من أهلها؛ لأنه كان بلغهم ما قدم بسببه، و كان حضر معهم قارئ يعرف بالركيانى. فقرأ بين يدى أبى الفتوح:
وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ. أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قاتِلُوهُمْ، قال:
فماج الناس و كادوا أن يقتلوا أبا الفتوح و من معه من الأجناد، و ما منعهم إلا أن البلاد كانت للحاكم.
فلما رأى أبو الفتوح ما الناس عليه، قال لهم: اللّه أحق أن يخشى، و اللّه لا أتعرض لشىء من ذلك، و دع الحاكم يفعل فىّ ما أراد، ثم استولى عليه ضيق الصدر و تقسيم الفكر كيف أجاب، فما غابت الشمس فى بقية ذلك اليوم، حتى أرسل اللّه تعالى من الريح ما كادت الأرض تزلزل منه، و تدحرجت الإبل بأقتابها و الخيل بسروجها، كما تدحرج الكرة على وجه الأرض، و هلك خلق كثيرون من الناس، و انفرج همّ أبى الفتوح لما أرسل اللّه تعالى تلك الرياح التى شاع ذكرها فى الآفاق، لتكون له حجة عند الحاكم من الامتناع من نبش القبور الكريمة. انتهى.
و ذكر أبو عبيد البكرى: أن الحاكم أنفذ إلى أبى الفتوح هذا أيضا، سجلا تنقص فيه بعض الصحابة رضى اللّه عنهم. و جرح به بعض أزواج النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، فأنفذه الأمير- يعنى أبا الفتوح- إلى القاضى الموسوى، أظنه إبراهيم بن إسماعيل السابق، و هو قاضى مكة و ما والاها، و أمره بقراءته على الناس، فغضب لذلك المجاورون من القاطنين و غيرهم من قبائل العرب. فلما بلغ ذلك القاضى، أرجأ الخروج و تباطأ، و ذلك فى سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة.
و اتفق بمكة فى ولاية أبى الفتوح عليها قضية أخرى عجيبة، ذكرها جماعة من المؤرخين منهم الذهبى، قال فى أخبار سنة ثلاث عشرة و أربعمائة: فيها عمد بعض المصريين إلى الحجر الأسود، فضربه بدبوس كسر منه قطعا، فقتله الحاج، و ثار أهل مكة بالمصريين، فنهبوهم و قتلوا منهم جماعة، ثم ركب أبو الفتوح الحسن بن جعفر، فأطفأ الفتنة وردهم عن المصريين.
و هذه الحادثة مذكورة بأكثر من هذا فى كتابنا شفاء الغرام و مختصراته، فأغنى عن ذكر هاهنا.