سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٣١ - تنبيهات
و الزّهريّ إنما نقل ذلك عن عروة و رواه الحاكم و صحّحه، و أقرّه الذهبيّ و البيهقيّ عن عائشة رضي اللّه عنها، لكن قال البيهقيّ: هكذا قال، أي أحد رواته عن الزّهريّ، عن عروة عن عائشة و ذكر عائشة غير محفوظ، و تقدّم كلام ابن كثير في ذلك، و في آخر غزوة بني قينقاع فراجعه.
الثالث: روى الشيخان عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: حرّق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نخل بني النّضير و قطع، و هي البويرة، فنزلت ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ [١] [الحشر ٥].
و روي أيضا عنه أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) حرق نخل بني النّضير. قال ابن عمر: و لها يقول حسّان بن ثابت:
و هان على سراة بني لؤيّ* * * حريق بالبويرة مستطير
قال: فأجابه أبو سفيان بن الحراث، أي قبل إسلامه:
أدام اللّه ذلك من صنيع* * * و حرّق في جوانبها السّعير
ستعلم أيّنا منها بنزه* * * و تعلم أيّ أرضينا تضير
قال الحافظ: و نسبة هذه الأبيات لحسان بن ثابت و جوابها لأبي سفيان بن الحارث هو المشهور كما في الصحيح. و نقل أبو الفتح عن أبي عمرو الشيبانيّ أن الذي قال «و هان على سراة بني لؤيّ» هو أبو سفيان بن الحارث، و إنما قال: «عزّ» بدل «هان» و أن الذي أجابه بقوله: «أدام اللّه ذلك من صنيع» البيتين هو حسان، قال: و هو أشبه من الرواية التي وقعت في البخاريّ.
قال الحافظ و لم يذكر مستندا للترجيح: و الذي يظهر أن الذي في الصحيح أصحّ، و ذلك أن قريشا كانوا يظاهرون كلّ من عادى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يعدونهم النصر و المساعدة، فلما وقع لبني النّضير من الخذلان ما وقع قال حسان الأبيات المذكورة، توبيخا لقريش، و هم بنو لؤيّ كيف خذلوا أصحابهم.
و قد ذكر ابن إسحاق أن حسان قال ذلك في غزوة بني قريظة، و إنما ذكر بني النّضير استطرادا، و ستأتي الأبيات بكمالها في غزوة بني قريظة.
و في جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله «و تعلم أيّ أرضينا تضير» ما يرجّح ما وقع في الصحيح، لأن أرض بني النضير تجاور أرض الأنصار، فإذا خربت أضرّت بما جاورها بخلاف أرض قريش، فإنّها بعيدة منها بعدا شديدا، فلا نبالي بخرابها، فكأنّ أبا سفيان يقول:
[١] أخرجه البخاري في كتاب الجهاد و السير (٣٠٢١).