سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤١٨ - شرح غريب أبيات كعب بن مالك رضي اللّه عنه
الحرج- بحاء فراء مفتوحتين فجيم-: الحرام.
الألباب: العقول.
سخينة: لقب لقريش. قال في الرّوض: ذكروا أن قصيّا كان إذا ذبحت قريش ذبيحة أو نحرت نحيرة بمكة أتى بعجزها فصنع منه خزيرة- و هو بفتح الخاء المعجمة و كسر الزاي و سكون التحتية بوزن جزيرة- و هي لحم يطبخ ببرّ فيطعمه الناس فسمّيت قريش بهما سخينة.
و قيل: إن العرب كانوا إذا أسنتوا أكلوا العلهز و هو الوبر و الدّم، كان يتّخذ في المجاعة، و تأكل قريش الخزيرة، و اللفيفة فنفست عليهم العرب بذلك فلقبوهم سخينة. قال: و لم تكن قريش تكره هذا اللقب، و لو كرهته لما استجاز كعب أن يذكره و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) منهم. و لتركه أدبا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، إذ كان قرشيّا، و لقد استنشد عبد الملك بن مروان ما قاله الهوازنيّ في قريش:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة* * * على سخينة لولا اللّيل و الحرم
فقال: ما زاد هذا على أن استثنى، و لم يكره سماع التّلقيب بسخينة، فدلّ على أن هذا اللقب لم يكن مكروها عندهم، و لا كان فيه تعيير لهم بشيء يكره.
و قال في المزهر: و في كلامه نظر في موضعين:
الأول: كلّ من تعرض لنسب أو تاريخ و شبههما- فيما رأيت- يزعمون أن قريشا كانت تعاب بأكل السّخينة، هذا كلام الكلبيّ- و البلاذريّ و أبو عبيد و المدائنيّ و أبو الفرج و ابن دريد و ابن الأعرابيّ و أبو عبيدة و من لا يحصى، قالوا ذلك.
الثاني: قوله: «و لو كرهته» إلخ. ليس فيه دلالة على قوله لأمور: الأول: يحتمل أن سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يسمع ذلك، أو سمعه و أنكره و لم يبلغنا نحن ذلك. قلت: و هذان الأمران ليسا بشيء،
لقوله (صلّى اللّه عليه و سلم) لكعب لما قال: «جاءت سخينة كي تغالب ربها: لقد شكرك اللّه تعالى على قولك هذا يا كعب»، كما رواه ابن هشام
و اللّه أعلم. أو أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أراد نكايتهم فأعرض عن ذلك، لأن الذي بينهم كان أشدّ من ذلك.
و قال السّهيليّ: «و لقد استنشد عبد الملك» إلخ فيه نظر من حيث إن المرزبانيّ ذكر هذا الشعر لخداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة، و ليس من هوازن في ورد و لا صدر، و إنّ عبد الملك تنازع إليه قوم من بني عامر بن صعصعة في العرافة، فنظر إلى فتى منهم شعشاع فقال: يا فتى قد ولّيتك العرافة، فقاموا و هم يقولون: قد أفلح ابن خداش، فسمعها عبد الملك فقال: كلا و اللّه لا يهجونا أبوك في الجاهلية بقوله: «يا شدة ما شددنا» إلخ و نسوّدك في الإسلام، فولّاها غيره.