سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٩ - ذكر انصراف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الخندق بعد رحيل أعدائه و إخباره بأن قريشا لا تغزوه أبدا و أنه هو الذي يغزوهم
بأصحابه. فلما رأى ذلك أصحابه جعلوا يقولون: يا بني عامر، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم.
و إذا الريح في عسكر المشركين ما تجاوز عسكرهم شبرا، فو الله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم، و فرشهم و الريح تضرب بها، فلما دنا الصبح نادوا: أين قريش؟ أين رؤوس الناس؟
فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. أين كنانة؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة، أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ فقالوا: أيهات، هذا الذي أتينا به البارحة. فلما رأى ذلك أبو سفيان أمرهم بأن تحمّلوا فتحمّلوا، و إن الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهم حتى رأيت أبا سفيان وثب على جمل له معقول، فجعل يستحثّه و لا يستطيع أن يقوم، حتى حلّ بعد. ثم خرجت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بعشرين فارسا أو نحو ذلك معتمّين، قالوا:- و في لفظ: فارسين، فقالا-: أخبر صاحبك أن اللّه تعالى كفاه القوم بالجنود و الرّيح، فرجعت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو مشتمل في شملة يصلّي، فو اللّه ما عدا أن رجعت راجعني القرّ، و جعلت أقرقف، فأومأ إليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده، [و هو يصلي] فدنوت منه، فسدل عليّ من فضل شملته- و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا حزبه أمر صلّى- فأخبرته خبر القوم، و أنّي تركتهم يرحلون.
فلم أزل نائما حتى جاء الصبح فلما أن أصبحت قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«قم يا نومان».
و ذكر ابن سعد أنّ عمرو بن العاص و خالد بن الوليد أقاما في مائتي فارس ساقة للعسكر، و ردءا لهم مخافة الطلب.
ذكر انصراف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الخندق بعد رحيل أعدائه و إخباره بأن قريشا لا تغزوه أبدا و أنه هو الذي يغزوهم
روى الإمام أحمد و البخاريّ عن سليمان بن صرد و البزّار برجال ثقات و أبو نعيم، عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهم، و البيهقيّ عن قتادة (رحمه اللّه): أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين أجلى اللّه تعالى عنه الأحزاب: «الآن نغزوهم و لا يغزوننا، نحن نسير إليهم».
قال ابن إسحاق: فلم تعد قريش بعد ذلك، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يغزوهم بعد ذلك حتى فتح مكة.
و روى البخاريّ عن أبي هريرة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يقول: «لا إله إلا اللّه وحده، أعزّ جنده، و نصر عبده، و غلب- و في لفظ: و هزم- الأحزاب وحده، فلا شيء بعده»
[١].
قالوا: و أصبح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالخندق، و ليس بحضرته أحد من عساكر المشركين، قد هربوا و انقشعوا إلى بلادهم، فأذن للمسلمين في الانصراف إلى منازلهم، فخرجوا مبادرين
[١] أخرجه البخاري ٥/ ١٤٢ و مسلم في كتاب الذكر (٧٧) و الترمذي (٣٤٢٨) و أحمد في المسند ٢/ ٣٠٧.