سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٧ - ذكر إرسال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ليكشف له خبرهم
و روى البيهقيّ عن مجاهد في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً قال: يعني ريح الصّبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها، و نزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم. وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها قال: الملائكة. قال: و لم تقاتل يومئذ.
و روى ابن جرير و ابن أبي حاتم عن قتادة قال: بعث اللّه تعالى عليهم الرّيح و الرّعب كلما بنوا قطع اللّه أطنابه، و كلما ربطوا دابّة قطع اللّه رباطها، و كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها اللّه، حتى لقد ذكر لنا: أن سيّد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان، هلمّ إليّ حتى إذا اجتمعوا عنده قال: «النّجاة النجاة، أتيتم»! لما بعث اللّه تعالى عليهم من الرّعب.
قال البلاذريّ: ثم إنّ اللّه تعالى نصر المسلمين عليهم بالريح، و كانت ريحا صفراء فملأت عيونهم، فداخلهم الفشل و الوهن و انهزم المشركون، و انصرفوا إلى معسكرهم، و دامت عليهم الرّيح، و غشيتهم الملائكة تطمس أبصارهم، فانصرفوا وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [الأحزاب ٢٥].
قال أبو الخطاب بن دحية: هذه الملائكة بعثها اللّه تعالى فنفثت في روعهم الرّعب و الفشل، و في قلوب المؤمنين القوّة و الأمل، و قيل: إنّما بعث اللّه الملائكة تزجر خيل العدو و إبلهم، فقطعوا مدة ثلاثة أيام في يوم واحد. فارّين منهزمين.
ذكر إرسال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ليكشف له خبرهم
روى الحاكم و صحّحه ابن مردويه، و أبو نعيم و البيهقيّ كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة و مسلم، و ابن عساكر عن إبراهيم بن يزيد التّيميّ عن أبيه، و ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظيّ، و أبو نعيم مختصرا عن ابن عمر: أن حذيفة رضي اللّه عنه ذكر مشاهدهم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال جلساؤه: أما و اللّه لو شهدنا ذلك لكنا فعلنا و فعلنا- و في لفظ: فقال رجل: لو أدركت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لقاتلت معه و أبليت- فقال حذيفة: لا تتمنّوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب و نحن صافّون قعود، و أبو سفيان و من معه من الأحزاب فوقنا، و قريظة اليهود أسفل منّا نخافهم على ذرارينا، و ما أتت علينا ليلة قطّ أشدّ ظلمة، و لا أشدّ ريحا منها، و في أصوات ريحها أمثال الصّواعق، و هي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و يقولون: إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ [الأحزاب ١٣] فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسلّلون، و نحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، فاستقبلنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رجلا رجلا،
يقول: ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة- و في لفظ: جعله اللّه رفيق إبراهيم يوم القيامة-
فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. فقال