سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - ذكر إرسال عبد اللّه بن أبيّ إليهم بعد الخروج من أرضهم
جئتكم قبل أن يبعث محمد و بينكم التوراة فقلتم لي في مجلسكم هذا: يا بن مسلمة إن شئت أن نغدّيك غدّيناك، و إن شئت أن نهوّدك هوّدناك، فقلت لكم: بل غدّوني و لا تهوّدوني، فإني و اللّه لا أتهوّد أبدا، فغدّيتموني في صحفة لكم، و قلتم لي: ما يمنعك من ديننا إلا أنه دين يهود، كأنك تريد الحنيفية التي سمعت بها، أما إنّ أبا عامر الراهب ليس بصاحبها، أتاكم صاحبها الضّحوك القتّال في عينيه حمرة، و يأتي من قبل اليمن، يركب البعير، و يلبس الشّملة، و يجتزئ بالكسرة، و سيفه على عاتقه، ينطق بالحكمة كأنه وشيجتكم هذه، و اللّه ليكوننّ في قريتكم هذه سلب، و قتل، و مثل، قالوا: اللّهم نعم، قد قلنا ذلك و ليس به. قال: قد فرغت،
إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أرسلني إليكم يقول لكم: «إنكم قد نقضتم العهد الذي جعلت لكم، بما هممتم به من الغدر بي».
و أخبرهم بما كانوا همّوا به و ظهور عمرو بن جحّاش على البيت ليطرح الصخرة، فأسكتوا، فلم يقولوا حرفا.
و يقول: «اخرجوا من بلدي و قد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه»،
قالوا: يا محمد، ما كنا نرى أن يأتي بهذا رجل من الأوس.
قال محمد بن مسلمة: تغيّرت القلوب.
فمكثوا على ذلك أيّاما يتجهّزون، و أرسلوا إلى ظهرهم بذي الجدر يجلب لهم، و تكاروا من ناس من أشجع [إبلا] و جدّوا في الجهاز.
ذكر إرسال عبد اللّه بن أبيّ إليهم بعد الخروج من أرضهم
فبينما هم على ذلك إذ جاءهم رسولا عبد الله بن أبيّ ابن سلول: سويد، و داعس، فقالا: يقول عبد الله بن أبيّ: لا تخرجوا من دياركم و أموالكم، و أقيموا في حصونكم، فإنّ معي ألفين من قومي و غيرهم من العرب، يدخلون معكم حصنكم، فيموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم، و تمدّكم قريظة، فإنهم لن يخذلوكم، و يمدّكم حلفاؤكم من غطفان. و أرسل ابن أبيّ إلى كعب بن أسد القرظيّ يكلمه أن يمدّ أصحابه، فقال: لا ينقض رجل واحد منا العهد.
فيئس ابن أبيّ من بني قريظة، و أراد أن يلحم الأمر فيما بين بني النّضير و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فلم يزل يرسل إلى حييّ بن أخطب، فقال حييّ: أنا أرسل إلى محمد أعلمه أنّا لا نخرج من دارنا و أموالنا، فليصنع ما بدا له. و طمع حييّ فيما قال ابن أبيّ.
فقال له سلّام بن مشكم: «منّتك نفسك و اللّه- يا حييّ الباطل، و لو لا أن يسفّه رأيك لاعتزلتك بمن أطاعني من يهود، فلا تفعل يا حييّ، فو اللّه إنّك لتعلم- و نعلم معك- أنه لرسول اللّه، و أنّ صفته عندنا، و أنّا لم نتّبعه و حسدناه، حيث خرجت النّبوة من بني هارون، فتعال فلنقبل ما أعطانا من الأمن و نخرج من بلاده، و قد عرفت أنّك خالفتني في الغدر به، فإذا كان أوان الثّمر، جئنا أو جاء أحد منّا إلى ثمره فباع أو صنع ما بدا له، ثم انصرف إلينا، فكأنّا لم