المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩٢ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و على هذا، فيباح له أن يوصى بجميع ماله للفقراء، و يمضى ذلك بعد موته بخلاف غيره فإنه لا يمضى مما أوصى به إلا الثلث بعد موته.
و كذلك الأنبياء لا يورثون، لما رواه النسائى من حديث الزبير مرفوعا:
«إنا معاشر الأنبياء لا نورث» [١] و على هذا فيجاب عن قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ [٢]. و قوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي [٣]. بأن المراد إرث النبوة و العلم.
* و منها: أنه حى فى قبره،
و يصلى فيه بأذان و إقامة و كذلك الأنبياء، و لهذا قيل: لا عدة على أزواجه.
و قد حكى ابن زبالة [٤]، و ابن النجار أن الأذان ترك فى أيام الحرة [٥] ثلاثة أيام و خرج الناس، و سعيد بن المسيب فى المسجد، قال سعيد:
فاستوحشت فدنوت إلى القبر فلما حضرت الظهر سمعت الأذان فى القبر فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان و الإقامة فى القبر لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، و رجع الناس و عاد المؤذنون فسمعت أذانهم كما سمعت الأذان فى قبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، انتهى.
و قد ثبت أن الأنبياء يحجون و يلبون. فإن قلت: كيف يصلون و يحجون و يلبون و هم أموات فى الدار الآخرة، و ليست دار عمل؟
فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، و الشهداء أحياء عند ربهم
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٧٢٨) فى الفرائض، باب: قول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا نورث» و مسلم (١٧٥٧) فى الجهاد و السير، باب: حكم الفيء، من حديث عمر- رضى اللّه عنه-، و له قصة.
[٢] سورة النمل: ١٦.
[٣] سورة مريم: ٥، ٦.
[٤] هو: محمد بن الحسن بن زبالة المخزومى المدينى، كذبوه، قاله الحافظ فى «التقريب» (٥٨١٥).
[٥] أيام الحرة: موقعة مشهورة، وقعت بظاهر المدينة بين أهلها و بين يزيد بن معاوية سنة ٦٣ ه حين خلعوه عن الخلافة.