المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٣١ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
النزول عن أهله، فإنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه و أهله و ولده و الناس أجمعين» [١].
و يدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش بنت عمته- صلى اللّه عليه و سلم- أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ [٢]. أى بنعمة الإسلام و هى أجل النعم وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالإعتاق بتوفيق اللّه لك، و هو زيد بن حارثة الكلبى، و كان من سبى الجاهلية، فملكه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قبل البعثة و أعتقه و تبناه و خطب له زينب فأبت هى و أخوها عبد اللّه، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ [٣]. الآية و كان الرجل فى الجاهلية و صدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به و يرث ميراثه و تحرم عليه زوجته، فنسخ اللّه تعالى التبنى بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [٤]. و بهذه القصة يثبت الحكم بالقول و الفعل، فأوحى اللّه إليه أن زيدا سيطلقها، و أنه- صلى اللّه عليه و سلم- يتزوجها، و ألقى فى قلب زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فقال إنى أريد أن أفارق صاحبتى قال: «ما لك؟ أرابك منها شيء؟» قال: لا و اللّه يا رسول اللّه ما رأيت منها إلا خيرا، و لكنها تتعظم على بشرفها و تؤذينى بلسانها، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ [٥]، أى فى أمرها، فلا تطلقها ضرارا و تعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً [٦]. و لم يبق له فيها حاجة، و لما طلقها و انقضت عدتها زوجها اللّه تعالى له، كما قال تعالى:
[١] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (١٥) فى الإيمان، باب: حب الرسول- صلى اللّه عليه و سلم- من الإيمان، و مسلم (٤٤) فى الإيمان، باب: وجوب محبة رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أكثر من الأهل و الوالد و الولد، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] سورة الأحزاب: ٣٧.
[٣] سورة الأحزاب: ٣٦.
[٤] سورة الأحزاب: ٥.
[٥] سورة الأحزاب: ٣٧.
[٦] سورة الأحزاب: ٣٧.