المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٣٤ - المقصد السابع الفصل الأول فى وجوب محبته و اتباع سنته و الاقتداء بهديه و سيرته- صلى اللّه عليه و سلم
و العلم اللدنى الرحمانى هو ثمرة العبودية و المتابعة لهذا النبيّ الكريم.
- عليه أزكى الصلاة و أتم التسليم-، و به يحصل الفهم فى الكتاب و السنة بأمر يختص به صاحبه كما قال على بن أبى طالب، و قد سئل: هل خصكم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- بشيء دون الناس؟ فقال: لا، إلا فهما يؤتيه اللّه عبدا فى كتابه. فهذا هو العلم اللدنى الحقيقي. فاتباع هذا النبيّ الكريم حياة القلوب، و نور البصائر، و شفاء الصدور، و رياض النفوس، و لذة الأرواح، و أنس المستوحشين، و دليل المتحيرين.
و من علامة محبته: أن يرضى مدعيها بما شرعه، حتى لا يجد فى نفسه حرجا مما قضى. قال اللّه تعالى: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [١]، فسلب اسم الإيمان عن من وجد فى صدره حرجا من قضائه و لم يسلم له.
قال شيخ المحققين و إمام العارفين، تاج الدين بن عطاء اللّه الشاذلى- أذاقنا اللّه حلاوة مشربه-: فى هذه الآية دلالة على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم اللّه و رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- على نفسه قولا و فعلا و أخذا و تركا، و حبّا و بغضا، و يشتمل ذلك على حكم التكليف و حكم التعريف، و التسليم و الانقياد واجب على كل مؤمن فى كليهما. فأحكام التكليف: الأوامر و النواهى المتعلقة باكتساب العباد. و أحكام التعريف: هو ما أورده عليك من فهم المراد. فتبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بأمرين: الامتثال لأمره، و الاستسلام لقهره.
ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفى الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم و وجد الحرج فى نفسه، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله- صلى اللّه عليه و سلم- رأفة و عناية و تخصيصا و رعاية، لأنه لم يقل: فلا و الرب، و إنما قال: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ [٢] ففى ذلك تأكيد بالقسم، و تأكيد
[١] سورة النساء: ٦٥.
[٢] سورة النساء: ٦٥.