المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٦ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و عبارة النسفى: ثم إنهم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: أولها: أن قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [١] يتناول جميع المكلفين من الجن و الإنس و الملائكة. لكنا أجمعنا على أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن و الإنس جميعا. و هو عبارة الإمام فخر الدين أيضا.
و قد تعقب الجلال المحلى العلامة كمال الدين بن أبى شريف فقال:
اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمى، فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمى، و فى قوله هذا إشعار التبرى من عهدته، و بتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضى عنده. و أما الحليمى فإنه و إن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة فى تفضيل الملائكة على الأنبياء- عليهم الصلاة و السلام-، و ما نقله عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه.
و أما ما ذكره من حكاية الرازى و النسفى الإجماع على أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يكن مرسلا إليهم، فقد وقع فى نسخ من تفسير الرازى «لكنا بيّنا» بدل «أجمعنا»، على أن قوله: «أجمعنا» ليس صريحا فى إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام السبكى فى قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً قال المفسرون كلهم فى تفسيرها للجن و الإنس، و قال بعضهم و للملائكة، انتهى.
و بالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازى و النسفى فى حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينتهض حجة على طريقة علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة و حفاظ الأمة كابن المنذر و ابن عبد البر، و من فوقهما فى الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة و من يلحق بهم فى سعة دائرة الاطلاع و الحفظ و الإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغنى عن بسط الكلام فيها.
و اللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع فى شيء من الجانبين، انتهى.
[١] سورة الفرقان: ١.