المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٥٨ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [١]. قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [٢] كان أبو بكر لا يكلم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلا كأخى السرار [٣] و روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- ما كان يسمع كلام عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته [٤].
و كان ثابت بن قيس فى أذنه وقر، و كان جهوريّا، فلما نزلت تخلف عن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، فتفقده و دعاه، فقال: يا رسول اللّه لقد أنزلت عليك هذه الآية، و إنى رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملى قد حبط، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «لست هناك، إنك تعيش بخير و تموت بخير، و إنك من أهل الجنة» [٥]. قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة فى حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الانكشاف و انهزمت طائفة منهم، فقاتل حتى قتل.
* و منها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات
قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [٦]، إذ العقل يقتضى حسن الأدب و مراعاة الحشمة وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ [٧]
[١] سورة الحجرات: ٢.
[٢] سورة الحجرات: ٢.
[٣] ذكره الحافظ فى «الفتح» (٨/ ٥٩١) و قال: و هذا مرسل، و قد أخرجه الحاكم موصولا نحوه، و أخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبى بكر، و لم يذكر عن أبيه.
[٤] صحيح: و الحديث أخرجه البخاري (٤٨٤٥) فى التفسير، باب: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ الآية من حديث عبد اللّه بن الزبير- رضى اللّه عنهما-.
[٥] صحيح: أخرجه البخاري (٣٦١٣) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، و مسلم (١١٩) فى الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٦] سورة الحجرات: ٤.
[٧] سورة الحجرات: ٥.