المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥١ - تعريف المعجزة بالدليل
ما شئت قل فيه فأنت مصدق * * * فالحب يقضى و المحاسن تشهد
و لقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال:
دع ما ادعته النصارى فى نبيهم * * * و احكم بما شئت مدحا فيه و احتكم
و انسب إلى ذاته ما شئت من شرف * * * و انسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول اللّه ليس له * * * حد فيعرب عنه ناطق بفم
يعنى أن المداح و إن انتهوا إلى أقصى الغايات و النهايات لا يصلون إلى شأوه، إذ لا حدّ له، و يحكى أنه رؤى الشيخ عمر بن الفارض السعدى فى النوم فقيل له: لم لا مدحت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال:
أرى كل مدح فى النبيّ مقصرا * * * و إن بالغ المثنى عليه و أكثرا
إذا اللّه أثنى بالذى هو أهله * * * عليه فما مقدار ما يمدح الورى
قال الشيخ بدر الدين الزركشى: و لهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين- كأبى تمام و البحترى و ابن الرومى- مدحه- صلى اللّه عليه و سلم-، و كان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن المعانى دون مرتبته، و الأوصاف دون وصفه، و كل غلو فى حقه تقصير، فيضيق على البليغ بحال النظم، و عند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلو بالنسبة إلى من قرضت له وجدتها صادقة فى حق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، حتى كأن الشعراء على صفاته كانوا يعتمدون و إلى أمداحه كانوا يقصدون، و قد أشار الأبوصيري بقوله: «دع ما ادعته النصارى فى نبيهم» إلى ما أطرت النصارى به عيسى ابن مريم من اتخاذه إلها. قال النيسابوريّ: إنهم صحفوا فى الإنجيل «عيسى نبى و أنا ولدته» فحرفوا الأول بتقديم الباء الموحدة و خففوا اللام فى الثانى، فلعنة اللّه على الكافرين. فإن قلت: هل ادعى أحد فى نبينا- صلى اللّه عليه و سلم- ما ادعى فى عيسى؟ أجيب: بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له- صلى اللّه عليه و سلم-:
أ فلا نسجد لك؟ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» [١] فنهاهم عما عساه يبلغ بهم من العبادة.
[١] صحيح: و الحديث أخرجه أبو داود (٢١٤٠) فى النكاح، باب: فى حق الزوج على-