المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٥٣ - تعريف المعجزة بالدليل
كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى كالاستغاثة به و غير ذلك مما يأتى فى المقصد الأخير، فى أثناء الكلام على زيارة قبره الشريف المنير.
و أما القسم الثالث: و هو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته،
فكالنور الذي خرج معه حتى أضاء له قصور الشام و أسواقها، حتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى، و مسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألما لولادته، و الطواف به فى الآفاق، إلى غير ذلك. و كانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، و انضمام الشجرتين لما دعاهما إليه، و كإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، فى عدة من المواضع و استيلاء الفجائع، و غير ذلك مما أمده اللّه تعالى به من المعجزات، و أكرمه به خوارق العادات تأييدا لإقامة حجته، و تمهيدا لهداية محجته، و تأييدا لسيادته فى كل أمة، و تسديدا لمن ادكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار، إذ هو باب فسيح المجال منيع المنال، لكنى أنبه من ذلك على نبذة يسيرة، و أنوه فى أثنائها بجملة خطيرة، فأقول و ما توفيقى إلا باللّه، عليه توكلت و إليه أنيب.
أما معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى فى كتابه العزيز: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ [١]. الآية، و المراد وقوع انشقاقه، و يؤيده قوله تعالى بعد ذلك: وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [٢]. فإن ذلك ظاهر فى أن المراد بقوله: «انشق» وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، و إذا تبين أن قولهم إنما هو فى الدنيا تبين وقوع الانشقاق و أنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، و سيأتى ذلك صريحا فى حديث ابن مسعود و غيره.
و اعلم أن القمر لم ينشق لأحد غير نبينا- صلى اللّه عليه و سلم-، و هو من أمهات معجزاته- صلى اللّه عليه و سلم-. و قد أجمع المفسرون و أهل السنة على وقوعه لأجله
[١] سورة القمر: ١.
[٢] سورة القمر: ٢.