المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٦ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
الأخلاق، فإن فى كل إنسان ثلاث قوى: إحداها الغضبية، و كمالها الشجاعة، و ثانيها، الشهوانية و كمالها الجود، و ثالثها العقلية و كمالها النطق بالحكمة.
و فى رواية لمسلم عنه: ما سئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخاف الفقر [١]. و عنده أيضا عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطانى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ما أعطانى و إنه لمن أبغض الناس إلى، فما برح يعطينى حتى إنه لأحب الناس إلى [٢]. قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. و فى مغازى الواقدى: إن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- أعطى صفوان يومئذ واديا مملوءا إبلا و نعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبى. و يرحم اللّه ابن جابر حيث قال:
هذا الذي لا يتقى فقرا إذا * * * يعطى و لو كثر الأنام و داموا
واد من الأنعام أعطى آملا * * * فتحيرت لعطائه الأوهام
و إنما أعطاه ذلك لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء و هو الإحسان فعالجه به حتى برئ من داء الكفر و أسلم، و هذا من كمال شفقته و رحمته و رأفته- صلى اللّه عليه و سلم- إذ عامله بكمال الإحسان، و أنقذه من حر النيران إلى برد لطف الجنان. و كان على إذا وصفه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: كان أجود الناس كفّا، و أصدق الناس لهجة. و خرج ابن عدى- بإسناد فيه ضعف- من حديث أنس مرفوعا: «أنا أجود بنى آدم» [٣].
فهو- صلى اللّه عليه و سلم- بلا ريب أجود بنى آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم و أعلمهم و أشجعهم و أكملهم فى جميع الأوصاف الحميدة، و كان جوده
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٢) فى الفضائل، باب: ما سئل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- شيئا قط فقال: لا، من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (٢٣١٣) فيما سبق.
[٣] إسناده ضعيف: أخرجه ابن عدى فى «الكامل» (١/ ٣٥٧).