المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٣٠ - الفصل الثانى فيما أكرمه اللّه تعالى به من الأخلاق الزكية و شرفه به من الأوصاف المرضية
و منها: حياء المحب من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه فى حال غيبته هاج الحياء من قلبه و أحس به فى وجهه، فلا يدرى ما سببه.
و منها: حياء العبودية، و هو حياء يمتزج بين محبة و خوف و مشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده، و أن قدره أعلى و أجل منها، فعبوديته له توجب استيحاءه منه لا محالة.
و منها: حياء المرء من نفسه، و هو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، و قنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحى بإحداهما من الأخرى، و هذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحى من غيره أجدر.
و الحياء- كما قال- صلى اللّه عليه و سلم- «لا يأتى إلا بخير» [١]، «و هو من الإيمان» [٢]، كما رواهما البخاري. قال القاضى عياض و غيره: و إنما جعل الحياء من الإيمان- و إن كان غريزة- لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد و اكتساب و علم. و قال القرطبى: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، و هو المكلف به دون الغريزى. غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزيّا، و كان النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قد جمع له النوعان، فكان فى الغريزى أشد حياء من العذراء فى خدرها.
و قال القاضى عياض: و روى عنه- صلى اللّه عليه و سلم-: كان من حيائه لا يثبت بصره فى وجه أحد.
و أما خوفه- صلى اللّه عليه و سلم- ربه جل و علا، فاعلم أن الخوف و الوجل و الرهبة ألفاظ متقاربة غير مترادفة. قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجارى
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦١١٧) فى الأدب، باب: الحياء، و مسلم (٣٧) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان و أفضلها و أدناها، من حديث عمران بن حصين- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: و هو يشير إلى حديث «الإيمان بضع و سبعون شعبة ..»، و الحديث أخرجه البخاري (٩) فى الإيمان، باب: أمور الإيمان، و مسلم (٣٥) فى الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان و أفضلها و أدناها، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.