الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - الافتراء
استطاعوا ناهيك عن عدد الآيات؟! و إن كانوا يقصدون أنّ المحتوى القرآني هو من معلّم أجنبي .. فردّ ذلك أهون من الأوّل و أيسر، إذ أن المحتوى القرآني قد صبّ في قالب كل عباراته و ألفاظه من القوة بحيث خضع لبلاغته و إعجازه جميع فطاحل فصحاء العرب، و هذا ما يرشدنا لكون الواضع يملك من القدرة على البيان ما تعلو و قدرة و ملكة أيّ إنسان، و ليس لذلك أهلا سوى اللّه عزّ و جلّ و سبحانه عمّا يشركون.
و بنظرة تأمّلية فاحصة نجد في محتوى القرآن أنّه يمتلك المنطق الفلسفي العميق في إثبات عقائده، و كذا الحال بالنسبة لتعاليمه الأخلاقية في تربية روح الإنسان و قوانينه الاجتماعية المتكاملة، و أنّ كلّ ما في القرآن هو فرق طاقة المستوى الفكري البشري حقّا .. و يبدو لنا أن مطلقي الافتراءات المذكورة هم أنفسهم لا يعتقدون بما يقولون، و لكنّها شيطنة و وسوسة يدخلونها في نفوس البسطاء من الناس ليس إلّا.
و الحقيقة أنّ المشركين لم يجدوا من بينهم من ينسبون إليه القرآن، و لهذا حاولوا اختلاق شخص مجهول لا يعرف الناس عنه شيئا و نسبوا إليه القرآن، عسى بفعلهم هذا أن يتمكنوا من استغفال أكبر قدر ممكن من البسطاء.
أضف إلى ذلك كله أن تاريخ حياة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يسجل له اتصالات دائمة مع هذه النوعيات من البشر، و إن كان (على سبيل الفرض) صاحب القرآن موجودا ألا يستلزم ذلك اتصال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به و باستمرار؟ إنّهم حاولوا التشبث لا أكثر، و كما قيل: (الغريق يتشبّث بكل حشيش).
إنّ نزول القرآن في البيئة الجاهلية و تفوقه الإعجازي أمر واضح، و لم يتوقف تفوقه حتى في عصرنا الحاضر حيث التقدم الذي حصل في مختلف مجالات التمدّن الإنساني، و التأليفات المتعمقة التي عكست مدى قوّة الفكر البشري المعاصر.