الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - وسعت رحمته غضبه
و الآية الأولى (٦١) تجيب بالقول: وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ [١].
«الدابة»: يراد بها كل كائن حي، و يمكن أن يراد بها هنا (الإنسان) خاصّة بقرينة (بظلمهم).
أي: إنّ اللّه لو يؤاخذ الناس على ما ارتكبوه من ظلم لما بقي إنسان على سطح البسيطة.
و يحتمل أيضا إرادة جميع الكائنات الحيّة، لعلمنا بأنّ هذه الكائنات إنّما خلقت و سخرت للإنسان كما يقول القرآن في الآية (٢٩) من سورة البقرة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، فعند ما يذهب الإنسان فسينتفي سبب وجود الكائنات الأخرى و ينقطع نسلها.
و هنا يواجهنا السؤال التالي: لو نظرنا إلى سعة مفهوم الآية و عموميتها فإنّها تدل في النتيجة على أنّه لا يوجد على الأرض إنسان غير ظالم، فالكلّ ظالم كلّ حسب قدره و شأنه، و لو نزل العذاب الفوري السريع و الحال هذه لما بقي إنسان على سطح الأرض ... مع إنّنا نعلم أنّ هناك من لا يصدق عليه هذا المعنى، فالأنبياء و الأئمّة المعصومون عليهم السّلام خارجون عن شمولية هذا المعنى، بل في كل زمان و مكان ثمة من تزيد حسناته على سيئاته من الصالحين المخلصين و المجاهدين ممن لا يستحقون العذاب المهلك أبدا ..
و الجواب على ذلك أنّ الآية تبيّن حكما نوعيا و ليس حكما عاما شاملا للجميع و نظير ذلك كثير في الأدب العربي.
و من الشواهد على ذلك: الآية (٣٢) من سورة فاطر حيث تقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
[١]- إن ضمير «عليها» يعود إلى «الأرض» و إن لم يرد لها ذكر في الآيات المتقدمة لوضوح الأمر، و نظائر ذلك كثيرة في لغة العرب.