الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٦ - التّفسير
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كشفت آيات السورة الأخرى، عن موقف المشركين و المعارضين لمثل هذه الأحداث، و أبانت استنكارهم لها، و عنادهم إزاء الحق، في هذه الاتجاه انعطفت الآية الأولى- من الآيات مورد البحث- على قوم موسى، ليقول لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ تأريخ النبوات واحد، و إنّ موقف المعاندين واحد أيضا، و أنّه ليس من الجديد أن يقف الشرك القرشي موقفه هذا منك، و بين يديك الآن تأريخ بني إسرائيل في موقفهم من موسى عليه السّلام.
تقول الآية أوّلا: وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ.
و صفة هذا الكتاب أنّه: وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ و الكتاب الذي تعنيه الآية هنا هو «التوراة» الذي نزل على موسى عليه السّلام هدى لبني إسرائيل.
ثمّ تشير الآية إلى الهدف من بعثة الأنبياء بما فيهم موسى عليه السّلام فتقول:
أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [١].
إنّ التوحيد في العمل هو واحد من معالم أصل التوحيد، و هو علامة على التوحيد العقائدي. الآية تقول: لا تتكئ على أحد سوى اللّه، و إنّ أي اعتماد على غيره دلالة على ضعف الإيمان بأصل التوحيد. إنّ أسمى معاني التجلّي في هداية الكتب السماوية، هو اشتعال نور التوحيد في القلوب و الانقطاع عن الجميع و الاتصال باللّه تعالى.
و من أجل أن تحرّك الآية التالية عواطف بني إسرائيل و تحفّزهم لشكر النعم الإلهية عليهم، خصوصا نعمة نزول الكتاب السماوي، فإنّها تضع لهم نموذجا للعبد الشكور فتقول: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ [٢] و لا تنسوا: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً.
[١]- من وجهة التركيب النحوي يقول بعض المفسّرين: إنّ تقدير جملة أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا هو: لئلا تتخذوا ..
و بعضهم قال: «أن» زائدة، و جملة «قلنا لهم» تقديرها: «و قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلا».
[٢]- إنّ جملة: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ جملة ندائية و في التقدير تكون: يا ذرية من حملنا مع نوح. أمّا ما احتمله البعض من أنّ «ذرية» هي بدل عن «وكيلا» أو مفعول ثان ل «تتخذوا» فهو بعيد، و لا يتسق مع جملة إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً.