الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - معراج النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
تبارك و تعالى لم يختر رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يصطفه لشرف الإسراء و المعراج إلا بعد أن اختبر استعداده صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهذا الشرف و لياقته لهذا المقام، فاللّه تبارك و تعالى سمع قول رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و رأى عمله و سلوكه فاصطفاه للمقام السامي الذي اختاره له في الإسراء و المعراج.
و احتمل بعض المفسّرين في قوله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أن يكون تهديدا لمنكري هذا الإعجاز، و أنّ اللّه تبارك و تعالى محيط بما يقولون و بما يفعلون، و بما يمكرون! و بالرغم من أنّ هذه الآية تنطوي على اختصار شديد، إلّا أنّها تكشف عن مواصفات هذا السفر الليلي «الإسراء» الإعجازي من خلال ما ترسمه له من أفق عام يمكن تفصيله بالشكل الآتي:
أوّلا: إنّ تعبير «أسرى» في الآية يشير إلى وقوع السفر ليلا، لأنّ «الإسراء» في لغة العرب يستخدم للدلالة على السفر الليلي، فيما يطلق على السفر النهاري كلمة «سير».
ثانيا: بالرغم من أنّ كلمة «ليلا» جاءت في الآية تأكيدا لكلمة «أسرى» إلّا أنّها تريد أن تبيّن أن سفر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد تمّ في ليلة واحدة فقط على الرغم من أنّ المسافة بين المسجد الحرام و بيت المقدس تقدّر بأكثر من مائة فرسخ، و بشروط مواصلات ذلك الزمان، كان إنجاز هذا السفر يتطلب أيّاما بل و أسابيع، لا أن يقع في ليلة واحدة فقط! ثالثا: إذا كان مقام العبودية هو أسمى مقام يبلغه الإنسان في حياته، فإنّ الآية قد كرّمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بإطلاق وصف العبودية عليه، فقالت «عبده» للدلالة على مراقي الطاعة و العبودية التي قطعها الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للّه تبارك و تعالى حتى استحق شرف «الإسراء» حيث لم يسجد جبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لشيء سوى اللّه، و لم يطع صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما عداه، و قد بذل كل وسعه، و خطا كل خطوة في سبيل مرضاته