الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - الوفاء بالعهد دليل الإيمان
آية من هذه الآيات أنّها نزلت في الذين بايعوا النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم على الإسلام (و كان من المحتمل أن ينقض بعضهم البيعة لقلّة المسلمين و كثرة الأعداء)، فقال سبحانه مخاطبا لهم لا يحملنّكم قلّة المسلمين و كثرة المشركين على نقض البيعة.
التّفسير
الوفاء بالعهد دليل الإيمان:
بعد أن عرض القرآن الكريم في الآية السابقة بعض أصول الإسلام الأساسية (العدل، و الإحسان، و ما شابههما)، يتناول في هذه الآيات قسما آخر من تعاليم الإسلام المهمّة (الوفاء بالعهد و الأيمان).
يقول أوّلا: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ، ثمّ يضيف: وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ.
إنّ ظاهر معنى «عهد اللّه»- مع كثرة ما قال المفسّرون فيه- و هو: العهود التي يبرمها الناس مع اللّه تعالى (و بديهي أنّ العهد مع النّبي عهد مع اللّه أيضا)، و عليه فهو يشمل كل عهد إلهي و بيعة في طريق الإيمان و الجهاد و غير ذلك.
بل إنّ التكاليف الشرعية التي يعلنها النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم هي من نوع من العهد الإلهي الضمني، و كذا الحال بالنسبة للتكاليف العقلية، لأنّ إعطاء العقل و الإدراك من اللّه عزّ و جلّ للإنسان إنّما يرافقه عهد ضمني، و هكذا يدخل الجميع في المفهوم الواسع لعهد اللّه.
أمّا مسألة «الأيمان» (جمع يمين، أيّ: القسم) التي وردت في الآية- و التي عرض فيها المفسّرون آراء كثيرة- فلها معنى واسع، و يتّضح ذلك عند ملاحظة مفهوم الجملة حيث أنّه يشمل العهود التي يعقدها الإنسان مع اللّه عزّ و جلّ، بالإضافة إلى ما يستعمله من أيمان في تعامله مع خلق اللّه.
و بعبارة أخرى: يدخل بين إطار هذه الجملة كل عهد يبرم تحت اسم اللّه