الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - بحوث
في الجانب الدنيوي- منتصرون [١].
فلما ذا بعد ذلك يتحمل الإنسان ضربات الأعداء المتوالية و يموت منها ذليلا؟! لما ذا لا يهاجر و بكل شجاعة ليجاهد عدوّه من موضع جديد فيأخذ منه حقّه؟! و قد عرض هذا الموضوع بوضوح أكثر في الآية (١٠٠) من سورة النساء، حيث تقول: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً.
٥- إن سبب انتخاب صفتين للمهاجرين «الصبر» و «التوكل» واضح، لما يواجه من ظروف صعبة و متعبة، تحتاج الثبات و الصبر على مرارة تلك الظروف في الدرجة الأولى، ثمّ الاعتماد الكامل على اللّه سبحانه و تعالى. و أساسا فإنّ الإنسان لو افتقد في الحوادث العصبية و الشدائد القاسية المعتمد المطمئن و السند المعنوي المحكم، فإنّ الصبر و الاستقامة و الثبات تكون مستحيلة.
و قال البعض: إنّ انتخاب «الصبر» هنا، لأنّ ابتداء السير في طريق الهجرة إلى اللّه يحتاج إلى المقاومة و الثبات أمام رغبات النفس، أما انتخاب «التوكل» فلأجل أنّ نهاية السير هي الانقطاع عن كل شيء غير اللّه عزّ و جلّ و الارتباط به.
و على هذا، تكون الصفة الأولى لأوّل الطريق و الثانية لآخره [٢].
و على أية حال .. فلا سبيل الى الهجرة الخارجية دون الهجرة الباطنية، فعلى الإنسان أن يقطع علائقة المادية الباطنية أوّلا بهجرته نحو الفضائل الأخلاقية، ليستطيع أن يهاجر و يترك دار الكفر- مع كل ما له فيها- منتقلا إلى دار الإيمان.
[١]- «لنبوئنهم»: في الأصل من (بوأ) بمعنى تساوي أجزاء مكان ما .. على عكس «نبوء» على وزن (مبدأ) بمعنى عدم تساوي أجزاء المكان. و على هذا ف «بوّأت له مكانا» أي ساويت له مكانا، ثمّ بمعنى هيأته له.
[٢]- التّفسير الكبير للفخر الرازي، في تفسير الآية مورد البحث.