الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧١ - ١- بداية الإدراك عند الإنسان
في التوحيد و معرفة اللّه، و أوّل ما يشير في هذه الآيات المباركات إلى نعمة العلم و المعرفة و وسائل تحصيله .. و يقول: وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً.
فمن الطبيعي أنّكم في ذلك المحيط المحدود المظلم تجهلون كل شيء، و لكن عند ما تنتقلون إلى هذا العالم فليس من الحكمة أن تستمروا على حالة الجهل، و لهذا فقد زودكم الباري سبحانه بوسائل إدراك الحقائق و معرفة الموجودات وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ. لكي يتحرك حس الشكر للمنعم في أعماقكم من خلال إدراككم لهذه النعم الربانية الجليلة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ملاحظات
و هنا نطرح الملاحظات التالية:
١- بداية الإدراك عند الإنسان
تصرّح الآية بوضوح بأنّ الإنسان حين يولد فإنّه لا يدرك من الأشياء شيئا، و كل ما يدركه إنّما هو بعد الولادة و بواسطة الحواس التي منحه اللّه إيّاه.
و يواجهنا الإشكال التالي: إنّ الإنسان مزود بجملة من العلوم الفطرية كالتوحيد و معرفة اللّه، بالإضافة إلى بعض البديهيات مثل (عدم اجتماع النقيضين، الكل أكبر من الجزء، حسن العدل، قبح الظلم ... إلخ) و كل هذه العلوم قد أودعت في قلوبنا و تولدت معنا .. فكيف يقول القرآن إنّ الإنسان حين يخرج من محيط الجنين ليس له من العلم شيئا؟
و هل علمنا بوجودنا (و الذي هو علم حضوري) لم يكن فينا و إنّما نكتسبه عن طريق السمع و البصر و الفؤاد؟
و للإجابة على هذا الإشكال، نقول: إنّ العلوم البديهية و الضرورية و الفطرية