الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - أربعة أصول إسلامية مهمّة
أنواع العذاب الذي يقع في الدنيا أو في الآخرة، أم المقصود به هو عذاب «الاستيصال» الذي يعني العذاب الشامل المدمّر كطوفان نوح مثلا؟
إنّ ظاهر الآية الكريمة يدل على الإطلاق، و هو بالتالي يشمل كل أنواع العذاب.
و هناك نقاش آخر- أيضا- بين المفسّرين حول قاعدة وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و هل أنّ الحكم فيها يخص المسائل الشرعية التي يعتمد فهمها على الأدلة النقلية فقط، أو أنّه يشمل جميع المسائل العقلية و النقلية في الأصول و الفروع؟
في الواقع، إذا أردنا العمل بظاهر الآية الذي يفيد الإطلاق، فينبغي القول أنّها تشمل جميع الأحكام العقلية و النقلية، سواء ارتبطت بأصول أو فروع الدين.
و مفهوم هذا الكلام أنّه حتى في المسائل العقلية البحتة التي يقطع «العقل المستقل» بحسنها و قبحها مثل حسن العدل و قبح الظلم، فإنّه ما لم يأت الأنبياء، و يؤيدون حكم العقل بحكم النقل، فإنّ اللّه تبارك و تعالى لا يجازي أحدا بالعذاب. للطفه و رحمته بالعباد.
و لكن هذا الموضوع مستبعد و ضعيف الاحتمال، لأنّه يصطدم مع قاعدة أنّ المستقلات العقلية لا تحتاج إلى بيان الشرع، و حكم العقل في إتمام الحجة في هذه الموارد يعتبر كافيا و مجزيا، لذلك فلا طريق أمامنا إلّا أن نستثني المستقلات العقلية عن مجال عمل القاعدة المذكورة.
و إذا لم نستثن ذلك فسيكون معنى العذاب في هذه الآية هو «عذاب الاستيصال» و سيكون المفاد الأخير للمعنى هو أنّ اللّه سبحانه و تعالى لرحمته و لطفه بالعباد لا يهلك الظالمين و المنحرفين إلّا بعد أن يبعث الأنبياء، و تستبين جميع طرق السعادة و الهداية، حتى تطابق حجّة الشرع حجّة العقل المستقل، و تتم الحجة بذلك من طريقي العقل و النقل (فتأمّل ذلك).