الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - ثمن الحياة الطيبة
التّفسير
ثمن الحياة الطيبة:
جاءت الآية الأولى من هذه الآيات لتؤكّد على قبح نقض العهد مرّة أخرى و لتبيّن عذرا آخرا من أعذار نقض العهد الواهية، فحيث تطرقت الآيات السابقة إلى عذر الخوف من كثرة الأعداء تأتي هذه الآية لتطرح ما للمصلحة الشخصية (المادية) من أثر سلبي على حياة الإنسان.
و لهذا تقول: وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا.
أي إنّ قيمة الوفاء بعهد اللّه لا تدانيها قيمة، و لو استلمتم زمام ملك الدنيا بأسرها فإنّه لا يساوي قيمة لحظة واحدة من الوفاء بعهد اللّه.
و تضيف الآية المباركة للدلالة على هذا الأمر: إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
و يبيّن القرآن في الآية التالية سبب الأفضلية بقوله: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ لأنّ المنافع المادية و إن بدت كبيرة في الظاهرة، إلّا أنّها لا تعدو أن تكون فقاعات على سطح ماء، في حين أنّ الجزاء و الثواب الإلهي النابع من ذات اللّه المطلقة المقدسة أعلى و أفضل من كل شيء.
ثمّ يضيف قائلا: وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ- و على الأخص في الثبات على العهد و الأيمان- بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
إنّ التعبير ب «أحسن» دليل على أنّ أعمالهم الحسنة ليست بدرجة واحدة، فبعضها حسن و البعض الآخر أحسن، و لكنّ اللّه تعالى يجزي الجميع بأحسن ما كانوا يعملون، و هو ذروة اللطف و الرحمة الربانية، كما لو مثلنا لذلك في مثل من حياتنا كأن يعرض بائع أنواعا من البضائع المتفاوتة في النوعية، فقسم منها بضائع جيدة، و قسم آخر بضائع رديئة، و البقية بين الإثنين، فيأتي مشتري ليأخذ الجميع بسعر النوعية الجيدة!