الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٨ - التّفسير
و على أية حال ... فالإعراض عن المشركين هنا بمعنى الإهمال، أو ترك مجاهدتهم و حربهم، لأنّ المسلمين في ذلك الوقت لم تصل قدرتهم- بعد- لمستوى المواجهة مع الأعداء و حربهم.
ثمّ يطمئن اللّه تعالى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تقوية لقلبه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.
أنّ مجيء الفعل بصيغة الماضي في هذه الآية مع أنّ المراد المستقبل يشير إلى حتمية الحماية الرّبانية، أيّ: سندفع عنك شهر المستهزئين، حتما مقضيا.
و قد ذكر المفسّرون رواية تتحدث عن ست جماعات (أو أقل) كان منهم يمارس نوعا من الاستهزاء تجاه النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فكلما صدع النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالدعوة قاموا بالاستهزاء تفريقا للناس من حوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلا أنّ اللّه تعالى ابتلى كلا منهم بنوع من البلاء، حتى شغلهم عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، (و قد ورد تفصيل تلك الابتلاءات في بعض التفاسير).
ثمّ يصف المستهزئين: الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
كأن القرآن يريد أن يقول: إنّ أفكار و أعمال هؤلاء بنفسها عبث سخف حيث يعبدون ما ينحتونه بأيديهم من حجر و خشب، و دفعهم جهلهم لأن يجعلوا مع اللّه ما صنعوا بأيديهم آلهة! و مع ذلك .. يستهزءون بك! و لمزيد من التأكيد على اطمئنان قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يضيف تعالى قائلا: وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فروحك اللطيفة و قلبك الطيب الرقيق لا يتحملان تلك الأقوال السيئة و أحاديث الكفر و الشرك، و لذلك يضيق صدرك.
و لكن لا تحزن من قبح أقوالهم فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ.
لأنّ تسبيح اللّه يذهب أثر أقوالهم القبيحة من قلوب أحباء اللّه، هذا أوّلا ..
و ثانيا، يعطيك قدرة و قوّة و نورا و صفاء، و يخلق فيك تجليا و انفتاحا، و يقوي ارتباطك مع اللّه، و يقوي إرادتك و يثبت فيك قدرة أكبر للتحمل و الثبات و المجاهدة في قبال أعداء اللّه.